في أزمنة الانكسار، لا تُقاس الأوطان بمساحتها، بل بصدق القلوب التي تنتمي إليها.
وفي مملكة البحرين، حين مرّت الغيمة الثقيلة، لم يكن الألم فقط في وقع الحدث، بل في صدى بعض الأصوات التي خرجت من بيننا، أصوات لا تشبهنا، ولا تعبّر عن وجدان هذا الوطن.
المشهد كان مؤلما على أكثر من مستوى؛ ليس فقط لأن الوطن تعرّض لتهديد أو عدوان، بل لأن بعض من ينتمون إليه ظاهرا، وقفوا مواقف تُثير الدهشة والحيرة.
كيف يمكن لمن يتكلم بلسان هذا الوطن، ويحمل اسمه، ويعيش على أرضه، أن يقف في صفّ من يطعن أمنه؟ وكيف يتحوّل الانتماء، في لحظة، من يقين راسخ إلى سؤال مفتوح، ومن ولاء بدهي إلى موضع شك؟ هذا الطرح لا ينطلق من زاوية سياسية، ولا يسعى إلى تحليل الأسباب أو تفكيك الخلفيات، بل هو تعبير عن وجع إنسانيّ خالص، وجع إنسان يرى وطنه يُمسّ، وأهله يُفزعون، وليلَهُ يثقل بالخوف، ثم يجد من يصفّق أو يسوغ أو يصمت في غير موضع الصمت.
السؤال هنا ليس معقدا، بل هو في غاية البساطة والوضوح: ماذا فعلت البحرين لتستحق ذلك؟ وما الذي اقترفه شعبها ليُكافأ بالخوف؟ أي ذنب يحمله الأبرياء حتى تُهدَّد بيوتهم الآمنة، وتُقلق سكينتهم؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات بقدر ما تحتاج إلى ضمير حيّ يشعر بثقلها.
لقد عُرفت البحرين، عبر تاريخها، بأنها أرض سلام، وشعبها لم يحمل في قلبه إلا قيم التعايش والاحتواء.
كانت دائما مساحة مفتوحة للإنسان، تحتضنه وتمنحه الأمان دون مقابل.
ولهذا؛ فإن ما يؤلم حقا، ليس فقط ما يأتي من الخارج، بل ذلك الخذلان الذي أتى من الداخل.
إن الانتماء الحقيقي لا يُختبر في أوقات الرخاء، بل يظهر بوضوح في لحظات الشدّة؛ فالوطن ليس شعارا يُرفع، ولا كلمات تُقال، ولا هوية تُكتب في الأوراق الرسمية، بل هو موقف.
هو ذلك القرار الداخلي الذي يتخذه الإنسان حين يُوضع أمام الاختيار: أن ينحاز لوطنه، أو أن يتخلى عنه بصمت أو بتسويغ.
وفي مثل هذه اللحظات، تسقط الأقنعة، وتنكشف الحقائق دون تجميل.
يظهر من يشبه تراب هذه الأرض في صدقه ووفائه، ويظهر في المقابل من يعيش فيها جسدا، بينما قلبه في مكان آخر.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة التي لا يمكن تجاهلها.
لسنا بحاجة إلى مواقف بطولية خارقة، ولا إلى خطابات عالية النبرة، بل إلى شيء أيسر وأصدق: قلب صادق، قلب إذا تألم الوطن، تألم معه، وإذا خاف الناس، احتضنهم، وإذا هُدِّد الأمن، وقف موقف الحماية لا موقف التسويغ أو الصدى.
البحرين ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل هي أهل، وبيت، وذاكرة، وكرامة.
ومن لا يرى فيها كل ذلك، فالمشكلة ليست في الوطن، بل في زاوية النظر إليه، وفي مقدار ما يحمله القلب من صدق الانتماء.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة، مهما حاول البعض الالتفاف حولها.
قد تحمل الأجساد هوية عربية لكن القلوب، وحدها، هي التي تكشف عن حقيقة الانتماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك