تعتبر المطربة اللبنانية فيروز إحدى أهم المطربات اللاتي تربت أجيال على صوتهن، فمن منا لم يبدأ صباحات أيامه بأغاني فيروز، ومن منا لم ترتبط ذكريات في حياته بتلك الأغنية أو ذاك اللحن، أي أن فيروز باختصار ذاكرة شعب وما تغنت به جزء من الهوية الثقافية وركن مهم من أركان الأغنية العربية.
ولدت فيروز واسمها الأصلي نهاد حداد في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1935، وقدمت عددا كبيرا من الأغاني في مسيرتها الفنية الطويلة، امتاز صوت فيروز بتفرد كبير، وإلى جانب صوتها الذي يسافر بالمستمع إلى كوكب الحب والأمل، كانت أغانيها والنسق الذي قدمته فيروز، والذي كان مختلفا عن مطربات جيلها كالسيدة أم كلثوم وأسمهان وغيرهما، مما ساهم في تأسيس مذهب فيروزي خاص لا يشبه أيا ممن عاصروها.
لم تحصر فيروز نفسها في استخدام القصص الحقيقية على اختلافها فقط، بل كانت أي أغنية تغنيها تسرد موقفا أو تحكي قصة، حتى وإن كانت أغنية غير مرتبطة بموقف حقيقيولعل من أهم المزايا التي امتازت بها أغاني فيروز، إلى جانب كل ما سبق ذكره، أن الكثير منها مبني على قصص من التراث، ومن أهم هذه الأغاني أغنية" يلا تنام ريما"، فريما فتاة اختطفها البدو من إحدى الضيع وضاع أثرها سنوات، وغيرها من الأغاني التي استلهمت من قصص حقيقية، وهي كثيرة، فنجد مثلا أغنية" كيفك إنت" الشهيرة التي خاطبت فيها ابنها زياد، وأغنية" سألوني الناس" التي غنتها فيروز بعد مرض زوجها عاصي.
وقد كان هذا الأمر يشبه الميزة التي تميزت بها فيروز عن غيرها، حيث تجاوز هذا الخط الأمر الشخصي والاجتماعي، فنجد بعض الأغاني المستقاة من قصص حقيقية، ولكنها لم تعبر فيها عن ألم شخصي أو أمر اجتماعي، إنما عن حدث سياسي، كأغنيتي" أنا وشادي" والأغنية الشهيرة" وحدن بيبقوا".
ولم تحصر فيروز نفسها في استخدام القصص الحقيقية على اختلافها فقط، بل كانت أي أغنية تغنيها تسرد موقفا أو تحكي قصة، حتى وإن كانت أغنية غير مرتبطة بموقف حقيقي، فستنقلك منذ بدايتها إلى عالمها وبكلمات بسيطة لا تستعصي على فهم المستمع، لهذا كانت أغاني فيروز محببة لكل الفئات والمستويات، لأنها في أغلبها أغاني تخاطب رجل الشارع وليس الإنسان المثقف، حيث لا يحتاج الاستمتاع بها إلى فهم عال ومستوى تعليمي رفيع لفهم الكلمات.
وحتى تلك الأغاني التي كانت بالفصحى فهي من فئة الأغاني السهلة نسبيا، والتي يستطيع المستمع الدخول فيها وفهم ما ترمي إليه على أقل تقدير.
وقدمت السيدة فيروز خلال مسيرتها أغان عبرت فيها وببساطة عن حياة كل واحد منا، فلم تكن مطربة شريحة من المجتمع دون غيره.
كانت فيروز مميزة بما قدمته في العامية وبأداء جميل وسلس وممتع، فقد قدمت أغان بالفصحى لا تقل في جماليتها عما قدمت من الأغاني العامية مثل قصيدة" المواكب"لقد قدمت فيروز، إلى جانب أغانيها المنفردة، أفلاما غنائية ومسرحيات غنائية ظلت خالدة وشكلت انعطافة في مسيرتها الفنية، وأضفى صوتها الملائكي لمسة خاصة على المسرح الغنائي والأفلام الغنائية حين قدمت" ميس الريم" في المسرح و" بنت الحارس" في السينما.
ولأننا أمام تجربة عملاقة وفريدة لا يستهان بها، فسنرى ونلاحظ أن فيروز قدمت أغان تصف كل المشاعر والعواطف التي يمكن أن يمر بها الإنسان: الغياب، الفراق، الوحدة، الذكريات والغربة وغير ذلك من المشاعر التي عبرت عنها بأسلوب جميل، سهل، وراق، وبأغان قصيرة المدة، فأحيانا نجدها تسرد حكاية أو موقفا، وتضعنا أمام مشهد متخيل لهذه القصة أو تلك أو ذاك الموقف من خلال أغان لا يتجاوز بعضها أربع أو خمس دقائق، وهذا ما نجده في أغنيتها" يا مرسال المراسيل" وغيرها الكثير.
ولقد غنت فيروز للكثير من المدن العربية مثل: مكة، دمشق، بغداد، وعمان، والقدس في رائعة" زهرة المدائن"، كما غنت لفلسطين في أحلك الأوقات، فلم تقدم أغان على المستوى الشخصي والاجتماعي والمواقف الحياتية اليومية فقط، بل تجاوزت ذلك إلى الحديث عن الآلام العامة والمشاعر والعواطف الجماعية.
وكما كانت فيروز مميزة بما قدمته في العامية وبأداء جميل وسلس وممتع، فقد قدمت أغان بالفصحى لا تقل في جماليتها عما قدمت من الأغاني العامية مثل قصيدة" المواكب"، وموشح" جادك الغيث"، وقصيدة" يا عاقد الحاجبين" وغيرها.
إذن فإننا نستطيع القول إننا أمام مطربة استثنائية قدمت الكثير، فلم تكن أغانيها مجرد لحن وكلمة، بل جزء من الذاكرة والإرث الذي تناقلته الأجيال، فهي صالحة لكل جيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك