الجزيرة نت - بعد عقود من الانتظار.. هل يفتح لبنان مطاره الثاني في الشمال؟ روسيا اليوم - سهل الصيانة ومزود بالذكاء الاصطناعي.. مايكروسوفت تكشف عن أحدث حواسبها قناة التليفزيون العربي - قواعد إيرانية جديدة لعبور السفن من مضيق هرمز.. معاون وزير الخارجية يوضّح روسيا اليوم - إجراءات مساعدة للتقليل من التعرق صيفا قناة الجزيرة مباشر - احتجاجات في طرابلس رفضا لتوطين المهاجرين وإبقائهم في ليبيا وكالة شينخوا الصينية - الصين تعلن عن تنظيم أكثر من 100 فعالية لتعزيز الواردات CNN بالعربية - قدمته رشيدة طليب.. "النواب" الأمريكي يرفض مشروع قرار بشأن صلاحيات الحرب في لبنان العربي الجديد - إدارة ترامب تفرض عقوبات على رئيس كوبا ومسؤولين في حكومته الجزيرة نت - مقال في الغارديان: واشنطن وطهران تعتقدان أنهما تنتصران لكنهما تخسران قناة التليفزيون العربي - الكاميرا العربي ترصد الأضرار التي أصابت منطقة صناعية جنوبي لبنان جراء استهدافات إسرائيلية
عامة

يسرا زهران تكتب: مستقبل القوى العظمى في يد الجنوب العالمي (الحلقة الثانية)

الوطن
الوطن منذ 3 أسابيع
1

لا يمكن لإنسان مُنصف القول بأن صورة أوروبا الكاملة والحقيقية هي أنها مجرد قارة استعمارية قديمة، تتساقط أسنان نفوذها أمام العملاق الأمريكي أو الروسي أو الصيني، عاجزة عن تنمية عضلاتها العسكرية والاقتصاد...

ملخص مرصد
ناقش الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب في كتابه الأخير أهمية دول الجنوب العالمي، مشيرًا إلى أن نسبة الشباب الكبيرة فيها تشكل مستقبل الأسواق الناشئة. أكد ستوب أن هذه الدول تمتلك تأثيرًا متزايدًا، مطالبًا بإعادة تشكيل النظام العالمي ليمثل مصالحها، مع الاعتراف بضرورة التعاون بين الشرق والغرب والجنوب. كما حذر من مخاطر تجاهل مطالب هذه الدول، التي قد تؤدي إلى صراعات سياسية واجتماعية.
  • كتاب الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب يبرز دور دول الجنوب العالمي في النظام العالمي الجديد
  • نسبة الشباب الكبيرة في الجنوب تزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على حكوماتها
  • ستوب يحذر من مخاطر تجاهل مطالب الجنوب العالمي، التي قد تؤدي إلى صراعات
من: ألكسندر ستوب

لا يمكن لإنسان مُنصف القول بأن صورة أوروبا الكاملة والحقيقية هي أنها مجرد قارة استعمارية قديمة، تتساقط أسنان نفوذها أمام العملاق الأمريكي أو الروسي أو الصيني، عاجزة عن تنمية عضلاتها العسكرية والاقتصادية، ولا تفعل أكثر من استعراض العضلات الزائفة لليمين المتطرف فيها على من يهاجرون إليها بحثاً عن حياة أفضل.

ليست أوروبا مجرد قارة عجوز ترفع طرف أنفها بتعالٍ واشمئزاز أمام الدول والثقافات الأخرى، ملقيةً على المختلفين معها تقارير وتوصيات لا تحمل رائحة الفهم لأوجه وأسباب اختلاف الآخر، في إصرار سخيف على أنها وحدها على صواب، وأن غيرها دائماً على خطأ.

جاء كتاب الرئيس الفنلندي «ألكسندر ستوب» الذي صدر مؤخراً، حاملاً عنوان «مثلث القوة: إعادة التوازن للنظام العالمي الجديد» ليذكرنا بأن لأوروبا وجهاً آخر يستحق التقدير لأنه يبادر باحترام الآخر.

وجه تحبه الإنسانية العالمية لأنه يضيف إليها من معارفه وخبرته، ويسعى، في حدود رؤيته وإمكانياته وفهمه، للخير الجماعي الذي يرى خيره الفردي ممتزجاً به ومنعكساً فيه.

وجه يحترم الاختلاف ويعرف كيف يستفيد منه لإصلاح نفسه أو لتطوير نظمه.

أحد أسباب أهمية كتاب «ألكسندر ستوب» هو أن صاحبه ما زال في السلطة كرئيس دولة أوروبية، يقدم فيه خلاصة تجربته من لقاءاته مع قادة العالم ومشاهداته لأحوال القارات الست، في صورة تقرّب إلى أذهاننا الطريقة التي يفكر بها أحد صناع القرار الأوروبي.

هو رئيس لدولة يصفها هو نفسه بأنها صغيرة، أي إنها ليست قوة عظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا، ولا ذات تعداد سكاني ضخم مثل الصين أو مساحة هائلة كالهند.

هي ليست حتى واحدة من كبار أوروبا مثل ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا.

لكنها دولة تملك حساً أخلاقياً بأهمية العدالة والتوازن بين الأطراف العالمية المتعددة في عالم اليوم.

إن الدول الصغيرة، على حد تعبير الرئيس الفنلندي في الكتاب، «قد لا تملك القوة، لكنها تملك القدرة على التأثير إذا عرفت كيف تلعب أوراقها في النظام العالمي بالشكل الصحيح».

كان كتاب «ستوب» تذكيراً لنا بأن كل دولة موجودة على خريطة العالم، مهما بلغ حجمها، لها الحق في التعبير عن مصالحها عند اتخاذ قرارات وسياسات تقرر مصيرها ومصير غيرها.

ليست الدول الكبرى وحدها هي التي تمتلك الحق في الوجود، ولا أصحاب الصوت العالي والسياسات الطائشة وحدهم هم من يملكون الحق في التأثير والكلام.

ليست المصالح ولا القوة وحدها هي التي تحكم السياسات العالمية، لأنه لا بد أن يظل هناك مكان للقيم، سواء اختلفنا معها أم اتفقنا، لا لأسباب أخلاقية فحسب، وإنما لأسباب عملية أيضاً، فلا يمكن للنظام العالمي الحالي أن يستمر لو لم يأخذ كل أطرافه في الاعتبار.

«ستوب»: نسبة الشباب الكبيرة في الجنوب تجعل المستقبل للأسواق الناشئة والفشل في تلبية مطالبهم يزيد الضغوط في بلادهمكلام «ألكسندر ستوب» قائم على خبرة عملية وتقدير لما يميز نظم بلاده والغرب، واعتراف بأسباب فاعلية ونجاح نظم الشرق، مع احترام واضح لما يملكه الجنوب، وهي الأطراف الثلاثة التي وصفها بأنها مثلث القوى في النظام العالمي الجديد.

هذه الرؤية التي تضع العدالة والتوازن نصب أعينها، تجعل كلام ذلك الرجل الذي شغل من قبل منصب وزير المالية ووزير الخارجية، قبل أن يشغل منصب الرئيس الفنلندي، ذا ثقل خاص، وهو يحكي عن ذلك الميزان الذي تصوره في كتابه مكوناً من كتل الشرق العالمي بقيادة الصين وروسيا، والغرب العالمي الذي يضم الولايات المتحدة وأوروبا وحلفاءهما من الدول الديمقراطية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، والجنوب العالمي، مركز الثقل الفعلي في المستقبل، وصاحب الأهمية المتزايدة التي أصبح العالم بشرقه وغربه، محتاجاً إليها ومعترفاً بها.

الرئيس الفنلندي: دول الجنوب لم تعد تشعر بضرورة التواصل مع «واشنطن» قبل أن تحدد لنفسها اتجاهاً جديداًيحكي «ألكسندر ستوب» عن مقال كتبه عام 2023 لصحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية حول أهمية دول الجنوب العالمي وأرسله إلى مجموعة من زملائه للتعليق عليه.

وتلقى رداً من مفكر بارز في السياسة الخارجية، يقول فيه إنه كان يرى دائماً أن الجنوب العالمي لا يهم.

ويرد «ستوب» على هذا التعليق قائلاً: «الواقع أن هذا الرأي يعكس التفكير السائد في كثير من أجزاء العالم، وهو تفكير خاطئ.

دائماً ما كان تجاهل الجنوب العالمي خطأ من الناحية الأخلاقية، لكن اليوم، وبعد أن أصبح الجنوب العالمي يلعب دوراً حيوياً في النظام العالمي الجديد، فإن هذا التجاهل يصبح خطأ من الناحية الاستراتيجية أيضاً».

يصف «ستوب» أهمية الجنوب العالمي الذي أصبح يشكل مركز الثقل الحقيقي بين الشرق والغرب قائلاً: «أمامنا كقادة في الغرب والشرق العالميين مهمة تخليص أنفسنا من الأحكام المسبقة القديمة، وأن نعترف بالتغييرات التي تحدث في الجنوب العالمي.

من المهم إدراك نقطة استراتيجية مهمة؛ هي أننا نحيا اليوم في عالم من النظم والتحالفات المتعددة التي سيكون الجنوب العالمي فيها هو اللاعب المحوري، سواءً أعجبنا هذا أم لم يعجبنا.

ودائماً ما يكون الأفضل لنا هو الفهم، لا الافتراض.

إن الجنوب العالمي بعيد كل البعد عن أن يكون كتلة متجانسة، إلا أن دوله، فردياً وجماعياً، قد زادت من ثقلها الاقتصادي وصوتها السياسي.

أغلبها يرى أن هناك منافع في إضعاف النظام العالمي القديم (أو الغربي كما قد يصفونه).

وبينما تتغير الحسابات الجيوسياسية، ترى دول الجنوب العالمي أن أمامها فرصة لزيادة تأثيرها والتحرك بشكل أكثر استقلالية عن الغرب.

هناك دول مثل الهند والمملكة العربية السعودية والبرازيل وجنوب أفريقيا تتحدث بثقة جديدة بالنفس، وكثير منها لم يعد يشعر بضرورة التواصل مع «واشنطن» قبل أن يحدد لنفسه اتجاهاً جديداً».

اتهام الجنوب للغرب بازدواج المعايير يصم الآذان أحياناً.

والتغيرات الديموغرافية تعني مزيجاً من الفرص والمخاطر أمام دول الجنوب العالميويواصل: «هناك العديد من اللاعبين الرئيسيين داخل الجنوب العالمي مثل الهند في آسيا، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

وفي أفريقيا، هناك ثلاث دول تمثل وحدها نصف اقتصاد القارة، هي مصر وجنوب أفريقيا ونيجيريا.

ودائماً ما تتحدث البرازيل باسم أمريكا اللاتينية، لكن الغرب العالمي يستمع أيضاً إلى الأرجنتين».

ومنذ الاجتياح الروسي لأوكرانيا، بدأ الحديث عن «عدم الانحياز» يعود إلى دول الجنوب العالمي.

أوضح قادة الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا مثلاً أنهم لا يساندون روسيا علانية لكنهم لا يوجهون لها إدانة أيضاً.

إلا أن موقف هذه الدول ليس موقفاً محايداً، وإنما يدفعون باتجاه أجندة خاصة بهم.

وتجسد الهند هذا الموقف بوضوح: لقد قال رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» للرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» علانيةً في سبتمبر 2022 إن اليوم ليس وقتاً للحرب.

إلا أن الهند امتنعت عن التصويت على كل قرارات الأمم المتحدة التي تدين الاجتياح الروسي، بل وزادت الهند وارداتها من روسيا.

ولخص مستشار الأمن القومي الهندي السابق «شيفشانكار مينون» وجهة نظر الدول النامية في هذا الأمر قائلاً إنه بالنسبة لهم فإن الحرب في أوكرانيا هي حرب حول مستقبل أوروبا، وليس مستقبل النظام العالمي، وأن هذه الحرب قد تحولت إلى مصدر إلهاء عن القضايا العالمية الأكثر إلحاحاً في عالم اليوم.

«تعددية الانحياز» في الجنوب كما تجسدها الهند: «التفاعل مع أمريكا.

وإدارة الصين.

وتنمية أوروبا.

وطمأنة روسيا.

وإدخال اليابان إلى اللعبة»كانت الحرب الأوكرانية إذن نقطة تحول جعلت «ستوب» يدرك أن ما يهم قادة أوروبا والغرب العالمي ليس هو ما يضعه الجنوب العالمي على قمة أولوياته، ويحكي عن ذلك قائلاً: «خلال المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2023، التقيت بما يقرب من 50 من قادة العالم لمناقشة موضوع «الاستعداد لحقبة جيوسياسية جديدة اليوم».

كان نصف النقاش الأول يتركز بالكامل حول الحرب في أوكرانيا، ولمحت الضيق يتصاعد في أعين زملائي من دول الجنوب العالمي، وفجأة وقفت وزيرة منهم قائلة: كنت أظن أن النقاش يدور حول حقبة جيوسياسية جديدة، لكن كل ما تفعلونه هو الحديث عن أوكرانيا.

كلكم لا تفهمون الأمر، أليس كذلك؟ لقد تغير العالم لكنكم أنتم لم تتغيروا».

ويتابع «ستوب»: «كانت الوزيرة على حق.

بالطبع كنا كغرب منشغلين للغاية بمنطقتنا، بحيث لم نعد قادرين على رؤية ما وراءها.

إلا أن هذا التعليق قد كشف أيضاً عن الفرصة التي أصبحت أمام الجنوب العالمي.

كل من الغرب والشرق بدأ في إعادة ترتيب تحالفات جديدة ولحشد الدعم لجانبه في مسألة أوكرانيا، وهنا وجد الجنوب منصة جديدة يمكن أن يجذب إليها الاهتمام لما يعنيه.

وصلت القدرة التفاوضية للجنوب اليوم إلى أقصاها، لكن قدرته على استخدام هذه القدرة لتحقيق أقصى منفعة ممكنة ما زالت مسألة معقدة».

ويواصل: «ما ظهر أمامنا منذ فبراير 2022 (من دول الجنوب العالمي) هو ما يمكن تسميته بعدم الانحياز التكتيكي.

وهو أسلوب يتجنب تكاليف الارتباط بجانب واحد، ويستفيد من المكاسب التي يقدمها الجانبان.

ويأخذ وزير الخارجية الهندي «سوبرامانيام جايشانكار» هذه الفكرة إلى ما هو أبعد من ذلك، داعياً إلى ما يسمى بـ«تعددية الانحياز» بدلاً من «عدم الانحياز»، ووصل «جايشانكار» إلى القول بأن: «هذا وقتنا للتفاعل مع أمريكا، وإدارة الصين، وتنمية أوروبا، وطمأنة روسيا، وإدخال اليابان إلى اللعبة، وجذب الجيران، وتوسيع الجوار».

ومنذ بداية الحرب الأوكرانية، نجحت الهند بالفعل في السير على هذا الحبل المشدود».

ويتابع «ستوب»: «خلال سنوات عملي في الحكومة، قمت بزيارات للقارات الست، والتقيت بقادة وزعماء كل الدول تقريباً.

أحياناً يكون من واجبي أن أثير قضايا تتعلق بالديمقراطية أو بحقوق الإنسان، ولا أجد مشكلة في ذلك، لكنني أحرص دائماً على فعل ذلك بأسلوب يتسم بالاحترام.

أحاول أن أصغى بعمق، وأن أفهم ما الذي يهم بالنسبة للدولة التي تستضيفني قبل أن أطرح أجندة «فنلندا».

كل اجتماع هنا يصبح فرصة للتعلم.

إنني قادم من دولة ليس لديها ماضٍ استعماري، وربما لذلك فإن مثل هذا الحوار يكون أسهل في حالتي.

لا يمكنني أن ألقي محاضرات على أحد، لكن يمكنني أن أشارك تجربة دولة كان لديها إيمان بالديمقراطية حتى عندما كانت دولة فقيرة.

لقد صعدت «فنلندا» من القهر والفقر إلى الحرية والرفاهية، وحاولت دائماً أن أروي هذه القصة من دون استعلاء أو عجرفة، بل بحس من الأمل بالنسبة لما يمكن تحقيقه».

ويواصل: «ما فهمته من خلال تلك النقاشات، هو أن الديمقراطية لها جذور في العديد من دول الجنوب العالمي، لكن تلك الدائرة تضم أطيافاً من الأنظمة الديمقراطية وحتى السلطوية.

هناك دول أخرى في الجنوب تضع النمو الاقتصادي واستقرار النظام قبل الديمقراطية.

لم تزدهر الديمقراطية بشكل واسع عبر الجنوب العالمي، وبينما تأخذ دول الجنوب طريقها نحو النمو ونحو تأكيد مكانتها العالمية، فمن الممكن ألا تكون الديمقراطية هي الأولوية بالنسبة لها.

دائماً ما يضع الليبراليون من أمثالي افتراضيْن خاطئيْن حول التقدم الديمقراطي.

الأول: هو أن الديمقراطية - نوعاً ما - هي جزء واضح من الطبيعة الإنسانية لا يحتاج إلى دليل، والأمر ليس كذلك، بل على العكس، إن الديمقراطية تحاول احتواء الطبيعة البشرية من خلال نظام من القوانين المتفق عليها.

الافتراض الثاني هو أن الكل يعتبر أن الديمقراطية هي الصورة الأمثل للحكم.

ربما أعتقد أنا ذلك لكن ليس الكل يفعل، خاصة في الجنوب العالمي.

في العديد من المناطق، فإن النمو والرفاهية يعتبران أكثر أهمية وإلحاحاً».

وتبدو قضية النمو والرفاهية بالفعل هي الأهم بالنسبة للجنوب العالمي، عندما يتعلق الأمر بالتحدي الأكبر الذي تواجهه دوله من وجهة نظر «ستوب»، والذي يعتبر في الوقت نفسه أهم نقطة قوة لديها في ميزان القوى العالمي وهو زيادة نسبة الشباب فيها.

يقول كتاب الرئيس الفنلندي: «إن مما يزيد الضغوط في الجنوب العالمي هو ذلك الحجم الكبير والسن الصغيرة لشعوبه.

هذا العامل الديموغرافي من أهم السمات المميزة لدول الجنوب العالمي، ففي الوقت الذي يدور فيه العمر الوسيط في أوروبا وأمريكا حول الأربعين، فإن ذلك العمر الوسيط في كل المناطق الأخرى هو أقل من ذلك بعشرة أعوام، وفي أفريقيا يصل إلى تسعة عشر عاماً.

وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن نصف الزيادة السكانية العالمية حتى عام 2050 سوف تتم في عدة دول منها الكونغو وإثيوبيا ونيجيريا وتنزانيا والهند وباكستان والفلبين».

ويتابع: «هذه التغيرات الديموغرافية تحمل فرصاً ومخاطر، وتداعيات أخرى بالنسبة للاستقرار السياسي عبر الجنوب العالمي.

من الممكن أن يحمل الشباب أحياناً إمكانيات للنمو الاقتصادي، إلا أن القوة العاملة الشابة والمتنامية تزيد أيضاً من الضغوط على الحكومات من أجل توفير التعليم والفرص.

ولو لم تتم تلبية هذه المطالب فإن الحرارة في هذه المجتمعات سوف ترتفع وتزيد من احتمالية الصراع.

تلك الدول التي ستجد نفسها تحت هذا الضغط سوف تسأل نفسها ما إذا كان النظام الديمقراطي أم النظام السلطوي هو الذي يقدم وصفة النجاح، لكنها لو كانت تتسم بالحكمة فستسأل نفسها أيضاً: ما هي الطريقة الأفضل لإطلاق إمكانيات ذلك الجيل الشاب والطموح؟ ».

في التنافس لكسب الجنوب: لا بريق الحريات يكفي بالنسبة للغرب.

ولا الاستثمارات الهائلة في البنية التحتية تكفي بالنسبة للشرقويواصل: «بما أن العوامل الديموغرافية تقف في صفهم، فإن الأسواق الناشئة في الجنوب العالمي سوف يكون لديها أكبر إمكانيات النمو في الاقتصاد العالمي، إلا أن هناك عقبات كبيرة أمامها في الطريق، فعلى الرغم من الزيادة في التصنيع والخدمات، فإن العديد من الاقتصادات الناشئة في الجنوب ما زالت تعتمد بكثافة على الزراعة واستخراج المواد الخام للأسواق الأجنبية، وينطبق هذا بشكل خاص على أفريقيا وأمريكا الجنوبية.

تلك الدول تحتاج إلى استثمارات في البنية التحتية وللوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة.

كذلك فإن وجود خلل أو عجز في سيادة القانون والحوكمة الرشيدة وحقوق الإنسان يمكن أن يصنع حالة من عدم اليقين تؤدي إلى عدم تشجيع الاستثمارات الأجنبية».

ويضيف: «ولا يساعد هنا أن العديد من دول الغرب العالمي الأكثر ثراءً تتوجه إلى الداخل.

وهي تتحدث عن أمور مثل فك الارتباط والحد من حركة التجارة مع الحلفاء، والتي سيكون لها تداعيات اقتصادية خطيرة على دول الجنوب العالمي.

ويقول صندوق النقد الدولي إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تعتبر مؤشراً على النشاط الاقتصادي العابر للحدود، قد انخفضت بالفعل على امتداد العقد الأخير.

نحن نشهد الآن عصر التجزئة الاقتصادية بعد سنوات من التكامل العالمي.

وهكذا، فإن الجنوب العالمي الآن يبحث عن مصادر جديدة لتمويل التنمية.

إن مصادر التمويل الحالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تواجه انتقادات منذ فترة طويلة بسبب هياكل الحوكمة غير المتكافئة فيها.

وهنا يأتى دور بنك التنمية الجديد الذي بدأ العمل منذ عام 2015 وتملكه كتلة «بريكس» بشكل شبه كامل، ومعه البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية والذي بدأ في العمل منذ عام 2016 مع الصين كأكبر مساهم فيه، وكلاهما ينبع من مبادرات صينية».

ويواصل «ستوب»: «كل جزء في العالم لديه دور ليلعبه في النظام العالمي الجديد.

وفي تلك المنافسة من أجل الحصول على دعم الجنوب العالمي، سيكون الغرب مخطئاً لو أنه اعتمد فقط على بريق الحريات والديمقراطية، كما أن الشرق سيكون بدوره مخطئاً لو تصور أن مشروعات البنية التحتية العملاقة والتمويلات السخية يمكن أن تكفي لشراء نفوذ بلا حدود، إذ إن الجنوب يمتلك الكثير من الخيارات أمامه».

ويتابع: «بالنسبة للغرب العالمي، فإن التعامل بسياسة خارجية قائمة على الواقعية والقيم تعني تبنى منهج جديد، أكثر تعاوناً مع الجنوب: أن يتم اللجوء إلى الإقناع بدلاً من الإكراه، وتقديم نموذج يمكن للآخرين أن يتبنوه.

هذا يقتضى نوعاً من الشراكة التعاونية بالإضافة إلى تغيير السلوك.

إن الاتهام الذي يوجهه الجنوب العالمي للغرب بازدواج المعايير يصم الآذان أحياناً.

هذا التغيير يعني أيضاً إعادة تشكيل نظام عالمي لا يتبنى فيه الجنوب القواعد والمعايير فحسب، وإنما يشارك في وضعها أيضاً، مثل صياغة اتفاقيات التجارة ومشاركة المعلومات والمعرفة التقنية، والتعاون في مجالات الدفاع والبنية التحتية، وألا يكون هذا التعاون مجرد أمر عابر، فكثير من دول الجنوب العالمي يمكن أن تقدم منافع واضحة في مجالات مثل الأمن والمواد الخام».

ويضيف: «أما فيما يتعلق بالشرق العالمي فعلى الغرب أن يعترف بالفوارق في القيم والمصالح معه، ويفهم أيضاً أن فك الارتباط نهائياً مع الشرق لا يمكن أن يدوم.

إن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الطرفين يضرب بجذوره بعمق، وكذلك هناك الحاجة للعمل المشترك لمواجهة التغير المناخي وغيره من التحديات.

من الممكن للغرب أن يظل مخلصاً لقيمه في الوقت الذي يتعاون فيه حيث توجد مصالحه».

ويواصل: «ليست هناك حاجة لدول الجنوب لكي تختار ما بين الشرق والغرب.

لكن من الممكن لها أن تلاحظ أن المجتمعات المنفتحة والحرة والديمقراطية تقدم أداءً أفضل من الدول المنغلقة والسلطوية.

إن الحرية هي محرك الرفاهية، والدول التي يتمسك قادتها بالسلطة تكون عادةً في طريقها نحو الركود.

لكن العالم قبل أي شيء، يحتاج إلى القدرة على النظر إلى الأمام بروح من الاحترام المتبادل والتعاون.

لا ينبغي أن يشكك أحد في قدرتنا على تجاوز العقبات التي ستواجهنا لو أن دوائر العالم الثلاث، الشرق والغرب والجنوب، قامت ببناء نظام عالمي يحترم الاختلافات ويتيح للدول أن تضع مصالحها القومية في إطار أوسع من التعاون الدولي.

يجب علينا أيضاً ألا تكون لدينا أية أوهام فيما يتعلق بالثمن الذي سندفعه في حالة الفشل.

والنصف الأول من القرن العشرين فيه تحذير لنا بما يكفي».

ويضيف «ستوب»: لقد قال مرشدي، الرئيس الفنلندي الأسبق الحائز على جائزة نوبل للسلام «مارتي أهتيساري»: إن ما بدأه البشر يمكن للبشر أن ينهوه.

هذا الأمر ينطبق على نظامنا العالمي.

لقد شكل البشر هذا النظام في وقت كانوا في أمس الحاجة إليه.

من الممكن أن يتركه البشر حتى يتآكل ويتقادم، أو يمكننا إعادة تشكيله لكي يعود ويبدأ وكأنه جديد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك