لم يشهد تاريخ الفكر الإسلامي جماعة أثارت الجدل وألقت من الظلال على هويتها، وحملت من النور في رسائلها، كما فعلت جماعة «إخوان الصفا وخلان الوفاء»المؤسسين غامضين عاشوا في القرن الرابع الهجري والعاشر الميلادي بالبصرة، لكنهم كتبوا بلسان خالد فكروا بعقول كونية، وسعوا لغايات إنسانية سامية تطلعت إلى تخليص النفس من كدرة المادة، والسمو بها إلى عالم الروح والصفاء.
يقول الباحثون إن «إخوان الصفا وخلّان الوفا» هم طائفة من فلاسفة المسلمين، اتحدوا على أن يوفقوا بين العقائد الإسلامية والحقائق الفلسفية المعروفة في ذلك العهد، فمزجوا فيها بين الفلسفة اليونانية والروحانيات الباطنية، وذلك علي رغم أن هويتهم ظلت سرًا، فإن بعض المؤرخين مثل إدريس عماد الدين ينسبهم إلى الفكر الإسماعيلي، معتبرين أنهم مثلوا قمة النضج الفكري والفلسفي في عصره، لم يكتبوا علما إلا بسنده، ورسائلهم هي توثيق دقيق لفلسفتهم التي مزجت العلم بالدين.
أنتجت هذه الجماعة مجموعة من رسائل إخوان الصفا، وهي موسوعة علمية وفلسفية شاملة، تتكون من اثنتين وخمسين رسالة، لم تكن مجرد أوراق، ولكن كانت محاولة طموحة لجمع كل علوم العصر مثل الرياضيات، والفلك، والموسيقى، وصولا إلى الطبيعيات، والنفسانيات، واللاهوتيات.
لقد صاغوا رسائلهم لتكون تحفًا تهدي السالك إلى طريق الحق، وسموها" رسائل إخوان الصفاء والأصدقاء المخلصين".
لماذا سموا أنفسهم بهذا الاسم؟يرى الباحثون أن الاسم مشتق من" صفوة الإخوة أو صفاء الأخوة"، ويهدفون من خلالها إلى التظافر للسعي إلى سعادة النفس، فهدفهم هو تطهير النفس وتزكيتها.
أما خلان الوفا فهم الذين التزموا بهذا العهد الروحي، وتذكر المصادر أنهم اقتبسوا هذا الاسم من قصة الحمامة المطوقة في كتاب" كليلة ودمنة"، حيث نجت المجموعة بتعاونها بفضل إخوان لها نصحاء.
لم يقف إخوان الصفا عند نقل المعارف، ولكن أبدعوا فيها حتى إن بعض الباحثين يرى في رسائلهم بذورا لنظرية التطور التي اشتهر بها داروين لاحقا، لقد كانوا رواد فكر ودُعاة إصلاح، ومزجوا بين الروحانيات والفلسفة العقلانية في توليفة فريدة جعلت فكرهم مؤثراً في الأجيال اللاحقة، من المتصوفة والفلاسفة وصولاً إلى الأندلس.
تُعد جماعة" إخوان الصفا وخلان الوفا" واحدة من أعمق الظواهر الفكرية والفلسفية في تاريخ الحضارة الإسلامية، حيث مثلت مشروعاً معرفياً موسوعياً حاول التوفيق بين العقيدة الإسلامية والفلسفة اليونانية في وقت ساد فيه الجمود الفكري.
هم جماعة من الفلاسفة والمفكرين المسلمين، نشأت سراً في البصرة خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وأحاطوا أنفسهم بهالة من الكتمان، ولم يوقعوا أسماءهم على مؤلفاتهم؛ مما جعل هويتهم لغزاً تاريخياً، إلا أن المصادر مثل" الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي تشير إلى خمسة مؤسسين منهم، هم: زيد بن رفاعة، أبو سليمان المقدسي، أبو الحسن الزنجاني، أبو أحمد المهرجاني، العوفي.
وقد اختاروا لأنفسهم هذا الاسم؛ اقتباساً من قصة" كليلة ودمنة" باب حمامة المطوقة، دلالة على الصفاء في المعرفة والوفاء في الصحبة.
وظهرت الجماعة في ظل ظروف سياسية واجتماعية متدهورة، تميزت بتفكك الدولة العباسية وتعدد الدويلات المستقلة، وانتشار التحجر الفكري الذي وصل إلى حد إطلاق مقولات مثل" من تمنطق فقد تزندق".
جاءت الجماعة كاستجابة لهذا الوضع بهدف نشر المعرفة التي تطهر النفوس وترتقي بها، إلى جانب التوفيق بين الدين والفلسفة وإثبات أن الحقائق الفلسفية اليونانية لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية، والعمل على إصلاح المجتمع إيجاد نخبة مثقفة قادرة على النهوض بالمسلمين.
لخص إخوان الصفا فلسفتهم في 52 رسالة وإضافة للرسالة الجامعة، تعد موسوعة شاملة شملت الرياضيات، الطبيعيات، الإلهيات، والعلوم النفسية.
آمن إخوان الصفا أن سعادة النفس لا تتحقق إلا بالعلوم التي تطهرها وتسمو بها، وبنوا فلسفتهم على أن الكون بدأ بفيض من الخالق العقل الكلي ثم النفس الكلية، وأن النفس تسعى للعودة إلى أصلها الإلهي عبر المعرفة.
لقد أسسوا هدفهم التربوي على أساس واضح هو بناء الإنسان المُهذب الذي يجمع بين الحكمة النظرية والفضيلة العملية، وآمنوا بأن الحكمة واحدة، وأن الاختلاف في المذاهب هو اختلاف في الظواهر لا في الحقائق الجوهرية.
تأثر إخوان الصفا بالفلسفة اليونانية والفارسية والهندية وكانوا يأخذون من كل مذهب بطرف ولكنهم لم يتأثروا على الإطلاق بفكر الكندي واشتركوا مع فكر الفارابي والإسماعيليين في نقطة الأصل السماوي للأنفس وعودتها إلى الله وكان فكرتهم عن منشأ الكون يبدأ من الله، ثم إلى العقل، ثم إلى النفس، ثم إلى المادة الأولى، ثم الأجسام والأفلاك والعناصر والمعادن والنبات والحيوان، فكان نفس الإنسان من وجهة نظرهم جزءا من النفس الكلية التي بدورها سترجع إلى الله ثانية يوم المعاد.
أما الموت عند إخوان الصفاء فيُسمى البعث الأصغر، بينما تسمى عودة النفس الكلية إلى الله البعث الأكبر.
وكان إخوان الصفا على قناعة إن الهدف المشترك بين الأديان والفلسفات المختلفة هو أن تتشبه النفس بالله بقدر ما يستطيعه الإنسان.
كانت كتابات إخوان الصفا ولا تزال مصدر خلاف بين علماء الإسلام وشمل الجدل التساؤل حول الانتماء المذهبي لهم، فالبعض اعتبرهم من أتباع المدرسة المعتزلية والبعض الآخر اعتبرهم من نتاج المدرسة الباطنية وذهب البعض الآخر إلى حد وصفهم بالإلحاد والزندقة ولكن إخوان الصفا أنفسهم قسموا العضوية في حركتهم إلى 4 مراتب:1- من يملكون صفاء جوهر نفوسهم وجودة القبول وسرعة التصور، ولا يقل عمر العضو فيها عن خمسة عشر عامًا؛ ويسموْن بالأبرار والرحماء، وينتمون إلى طبقة أرباب الصنائع.
2- من يملكون الشفقة والرحمة على الأخوان، وأعضاؤها من عمر ثلاثين فما فوق؛ ويسمون بالأخيار الفضلاء، وطبقتهم ذوو السياسات.
3- من يملكون القدرة على دفع العناد والخلاف بالرفق واللطف المؤدِي إلى إصلاحه.
ويمثل هؤلاء القوة الناموسية الواردة بعد بلوغ الإنسان الأربعين من العمر، ويسمون بالفضلاء الكرام، وهم الملوك والسلاطين.
4- المرتبة الأعلى هي التسليم وقبول التأييد ومشاهدة الحق عيانا.
وهي قوة الملكية الواردة بعد بلوغ الخمسين من العمر، وهي الممهِدة للصعود إلى ملكوت السماء؛ وإليها ينتمي الأنبياء.
هل هناك تشابه بينهم وبين ابن خلدون؟على الرغم من اختلاف المنهج إخوان الصفا غنوصيون باطنيون، وابن خلدون عقلاني واقعي، إلا أن هناك نقاط تقاطع وتشابه ملحوظة، وقد أشار بعض المؤرخين مثل الدكتور محمود إسماعيل إلى أن ابن خلدون اقتبس نظرياته من تراثهمواشترك الطرفان في القول بتدرج الكائنات من المعادن إلى النبات، ثم الحيوان، وصولاً إلى الإنسان، وأن مراتب الوجود متصلة، وقسم إخوان الصفا المجتمع إلى طبقات وشرائح، وناقشوا دورة الدولة من حيث نشأتها، قوتها، ثم انحلالها قبل ابن خلدون بقرون.
وأكد كلاهما على ضرورة الاجتماع البشري، وأن الإنسان لا يستطيع العيش بمفرده، وحاجة المجتمع إلى القوانين والسياسة.
كانت رسائل إخوان الصفا منتشرة في المشرق والمغرب، ومن المُرجح أن ابن خلدون اطلع عليها وتأثر بتحليلاتهم الاجتماعية، وإن كان ابن خلدون قد طوّرها بأسلوب علمي ومنهجي أعمق.
لقد كان إخوان الصفا هم الرواد الذين وضعوا البذور الأولى، وابن خلدون هو الذي حصد هذه الأفكار وصاغها في إطار علمي علم العمران.
العلاقة بين اخوان الصفا والحشاشينتوجد علاقة فكرية وتاريخية وثيقة بين إخوان الصفا وخلان الوفا وطائفة الحشاشين، وتتمثل في كونهما يمثلان مراحل تطور الفكر الإسماعيلي الباطني، حيث يعتبر إخوان الصفا التنظيم الفكري الأولي، بينما الحشاشين هم التنظيم العسكري والسياسي الذي تبنى جزءاً من هذا الفكر.
1- إخوان الصفا جماعة سرية من الفلاسفة والمفكرين ظهرت في البصرة في القرن الرابع الهجري نشرت أفكاراً باطنية تمزج بين الفلسفة اليونانية والتشيع.
2- الحشاشون تأسسوا لاحقًا على يد حسن الصباح، وهو إسماعيلي نزارى، وتبنى عقائد مشابهة لما دعا إليه إخوان الصفا من حيث وجود ظاهر وباطن للنصوص.
3- يرجح المؤرخون أن إخوان الصفا ينحدرون من الفكر الإسماعيلي، وتعتبر رسائل إخوان الصفا مصدر فكري مهم تبنته الجماعات الباطنية لاحقا، بما في ذلك الدعوة النزارية.
4-كلا الجماعتين عرفتا بالسرية الشديدة في تنظيماتهما.
فلسفة التاريخ عند أخوان الصفايعتقد إخوان الصفا أن التاريخ يسير في دورات قرانات فلكية تبدأ وتنتهي بتأثيرات نجوم معينة، مما يفسر صعود دول وسقوط أخرى.
كان التاريخ عندهم ليس مجرد أحداث ظاهرية، بقدر ما هو كشف رمزي عن حقائق باطنية وتأويلات روحية لرسائل الأنبياء والأنظمة السياسية، أما الهدف النهائي لحركة التاريخ عندهم فهو تطور النفوس البشرية من الجهل إلى العلم، ومن المادة إلى الروح، وصولاً إلى التشبه بالإله على قدر الطاقة البشرية.
آمن إخوان الصفا بأن النبوة هي أعلى مراتب الكمال البشري منحة إلهية، وتأتي الفلسفة كسبية لتفسير وتأويل هذا الناموس الإلهي؛ مما يجعل التاريخ مسيرة متكاملة بين العقل والوحي.
سعى المشروع السياسي والتربوي عند إخوان الصفا إلى بناء مجتمع فاضل يعد الإنسان صالحاً، مستخدمين التاريخ للتحرر من قيود الجهل والتقاليد البالية عبر الفلسفة الباطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك