في ظل النمو المتسارع الذي يشهده قطاع المقاولات والتطوير العقاري في المملكة العربية السعودية، وما يصاحبه من تضخم في حجم الالتزامات العقدية وتنوع صورها، برزتْ إشكاليةٌ قانونية بالغةُ الأهمية، لم تكن ضمن تقدير الأطراف عند إبرام العقد، حيث إن أطراف العقد قد يفجأهم طروء ظروف طارئة تقلبُ موازينَ العقد، وتُخلّ بالميزان الاقتصادي الذي قام عليه العقد، مما يستدعي ذلك تحريرًا دقيقًا يواكب هذا التحول، ويؤسس معالجة قانونية لهذا الإشكال العميق.
وفي هذا السياق، جاءتْ رسالةُ الماجستير للباحث المحامي: أنس بن أمين الشقاوي، والمعنونة بـ: “الظروف الطارئة على عقد المقاولة، وأحكامها فقهًا ونظامًا” لتسلّط الضوء على أحد أدق الإشكالات القانونية المعاصرة، والمتمثلة في أثر الظرف الاستثنائي على تنفيذ العقد، وما قد ينشأ عنه من تعذر التنفيذ، أو إمكانه مع مشقةٍ بالغةٍ تُخرجَ الالتزامَ عن حدّه المعتاد.
وقد بيّنت الدراسةُ أنّ عقد المقاولة –كسائر العقود– يقوم في أصله على مبدأ اللزوم، غير أن هذا المبدأ ليس على إطلاقه، بل يَرِدُ عليه ما يُقيّده، ومن ذلك طروء قوة قاهرة، أو ظروف طارئة لم تكن في حسبان أطراف العقد، كأنْ تصدرَ قراراتٌ تنظيمية بعد الشروع في العقد، وترتبطُ ارتباطًا وثيقًا في العقار محل التنفيذ، أو أنْ تحدُثَ كوارثُ طبيعية، أو تغيراتٌ اقتصادية حادة، ومن شأن هذه الظروف أن أدتْ إلى اختلال التوازن العقدي، بحيث جعلت تنفيذ الالتزام متعذرًا، أو ممكنًا بمشقة شديدة على أحد الطرفين.
ولم تقف الدراسة عند حدود التأصيل النظري، بل تجاوزت ذلك إلى بيان أبرز صور هذه الظروف الطارئة، ومن ذلك:* التغير الحاد في قيمة المواد، وما يترتب على ذلك من ارتفاع غير متوقع في التكاليف، وهل هذا التغير موجب لتعديل الالتزام أم لا؟* وكأن يصدر قرار إداري بإيقاف البناء، أو تعليق المشروع، وهل هذا القرار موجب لفسخ العقد أو تعديل الالتزام أم لا؟* وكصورة زوال الغرض من العقد لاستحالة تنفيذه، وهل هذا الظرف موجب لفسخ العقد أم لا؟* وكوقوع كوارث طبيعية تعيق التنفيذ، أو تجعله مستحيلًا، وهل هذا الظرف موجب لفسخ العقد أم لا؟كما أفاد الباحث بالتفريق بين الظرف الطارئ والقوة القاهرة، وبيان أثر كل منهما على العقد؛ إذ إن الظرف الطارئ لا يؤدي بالضرورة إلى انفساخ العقد، بل يقتضي إعادة التوازن بين الالتزامات، بخلاف القوة القاهرة التي قد تفضي إلى استحالة التنفيذ وانقضاء الالتزام.
وقد أبرز الباحث في دراسته أن الشريعة الإسلامية سبقتْ إلى معالجة هذا الإشكال من خلال أصولٍ كلية وقواعدَ راسخة، من أبرزها قاعدة “رفع الحرج” وقاعدة “لا ضرر ولا ضرار” وغيرها من القواعد الشرعية، وهي تُظهرُ مرونةَ التشريع الإسلامي، وقدرته على استيعاب المتغيرات والمستجدات، وتحقيقه للعدالة بين الأطراف.
ومن هذا المنطلق الشرعي، قرر المنظمُ السعودي –ولا سيما في نظام المعاملات المدنية فكرة إعادة التوازن العقدي عند وقوع الظروف الطارئة، بما يمنح القضاء مساحةً تقديريةً لتحقيق العدالة، دون إخلال بأصل استقرار المعاملات.
كما حرص الباحثُ على الربط بين التأصيل الفقهي واختيار المنظم السعودي في أنظمته وقراراته، وذلك من خلال تحليل عدد من التطبيقات القضائية في المحاكم السعودية، والتي أظهرت توجهًا واضحًا نحو إعمال نظرية الظروف الطارئة، ومراعاة العدالة العقدية، وعدم تحميل الأطراف عبء الظرف الذي لم يكن بوسعهم ظنّ وقوعه.
وانتهت الدراسة إلى جملة من التوصيات ذات الأهمية العملية، من أبرزها:* دعوة الباحث المهتمين في جانب التطوير العقاري إلى مزيد من البحث في هذا الموضوع؛ نظراً لتجدد صوره، وتعدد تطبيقاته.
* تأكيدُ الباحث على أهمية تضمين عقود المقاولات بندًا صريحًا يعالج الظروف الطارئة.
* الاعتناءُ بصياغة هذا البند صياغة محكمة، تجنبًا للخلاف في تفسيره أو تطبيقه.
وفي المحصلة، تؤكد هذه الدراسة أن العقد وإن كان أداةً لتنظيم الالتزام فإنه ليس بمنأى عن تأثير الواقع بالظروف المتغيرة، وأنّ العدالة العقدية تكمن بتحقيق إعادة النظر في ميزان العقد عند اختلاله بظروف طارئة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك