في زمنٍ طغت فيه حسابات المادة لم تتغير طبيعة الحياة لوحدها، بل تغيّرت معها ملامح النفوس أيضا، تبدو العلاقات الإنسانية كأنها خرجت من طابعها القديم لآخر تغلب فيه الريبة ويسود فيه الشك.
لم يعد الصمت بريئا، ولا السؤال عفويا، بل إن العلاقات بين الناس أصبحت تقاس بطريقة يصعب وصفها بالكلمات وكأننا انتقلنا من عصر الثقة الافتراضية إلى الشك المنهجي.
تملؤنا الوساوس وتسيطر علينا الهواجس والخوف من الخذلان.
لم تعد الابتسامات كما كانت مفاتيحا للقلوب، فكثيرون ممن يحاولون إتقان رسم الابتسامة في وجوه من حولهم تمتلئ دواخلهم بالمقارنة والغيرة وعدم الارتياح لوجودهم أو نجاحاتهم.
هذا التناقض لا يظهر بوضوح، بل يتسلل عبر تفاصيل دقيقة؛ نبرة صوت محايدة أكثر من اللازم، مجاملة تبدو كاملة لكنها بلا دفء، أو اهتمام عابر لا يستمر.
ربما يرى البعض في هذه الكلمات نوعا من البحث عن المثالية وأن العلاقات لم تكن بين الناس بهذا المستوى من الشفافية وأن الإنسان لم يكن يوما منذ بدء الخليقة كائنا نقيا بالكامل، وهذه حقيقة لا جدال فيها، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود التفاوت الطبيعي في الطباع، ليدخل في مساحة أعمق من التبدّل القيمي.
هناك شعور متزايد بأن كثيرا من الروابط لم تعد قائمة بذاتها، بل مشروطة بتوازنات دقيقة من المصالح والاعتبارات الخفية.
في هذا المناخ، يصبح السؤال عن الأمان تجاه دواخل الآخرين مشروعا، لكنه في الوقت ذاته سؤال مرهق لأن الإجابة عنه ليست متاحة، ولأن البحث عنها قد يفسد العلاقة نفسها.
ومع ذلك، فإن الشعور العام يوحي بأن شيئا ما في الداخل الإنساني قد تغيّر، أو على الأقل أصبح أكثر تعقيدا وأقل قابلية للفهم السريع.
حتى في الأحاديث التي يتبادلها الزملاء يوميا لم يعد الحسد، على سبيل المثال، مجرد شعور عابر أو حالة استثنائية، بل يبدو أنه أصبح عنصرا حاضرا باستمرار في كل الأحاديث ويتسلل إلى العلاقات دون استئذان، ليس بصورته الصريحة التي يمكن فضحها بسهولة، بل غالبا بصيغ أكثر نعومة وخفاء.
قد يظهر في صمت طويل تجاه إنجاز، أو في تعليق يبدو عاديا لكنه يحمل ظلا خفيفا من التقليل، أو حتى في مبالغة مفاجئة في الإطراء تخفي وراءها نوعا من عدم الراحة.
ويرى بعض علماء النفس أن السبب الذي يدفع بعض الناس إلى حسد الآخرين على إنجازاتهم يرتبط أساسا برؤيتهم لأنفسهم، فحين يقارن هؤلاء أنفسهم بغيرهم فإن النجاح يتحول إلى مرآة تكشف ما يشعرون بأنه ينقصهم.
وبدل أن يتحول هذا الشعور إلى دافع للتطوير، فإنه يدفعهم للبحث عن مبررات لإخفاقاتهم بدلا عن مواجهتها.
وهنا لا تكمن المشكلة في غياب القدرة، بل في توجيه الانتباه، فالوقت الذي يُصرف في مراقبة الآخرين كان يمكن أن يتحول إلى استثمار داخلي يكسبهم مهارة أو يراكم لديهم خبرات حقيقية، لكن هذه المشاعر السالبة تمنح أصحابها شعورا زائفا بالتفوق وتخدعهم بالأعذار الواهية مما يؤجل مواجهتهم لذواتهم ويتسبب في إعاقتهم عن التطوير لأنهم بدّدوا طاقتهم في الاتجاه الخطأ.
لا أتمنى أن تفهم كلماتي على أنها نظرة سوداوية، ففي المقابل هناك نوع آخر من العلاقات تكون أكثر حذرا، ربما لا تنهار، لكنها لا تزدهر أيضا لأنها محكومة بسقف منخفض من التوقّعات، لذلك تفتقر إلى الحيوية لأن الإنسان بطبعه يحتاج إلى مساحة يشعر فيها بالأمان دون تحليل دائم، وبالقبول دون اختبار مستمر، وألا يضطر إلى التفكير في كل كلمة، وعندما تقل هذه المساحات، يبدأ الشعور بالوحدة، حتى في وجود الآخرين.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن الثقة اختفت، أو أن كل ابتسامة تحمل نية سلبية، بل يعني فقط أن قراءة الوجوه لم تعد كافية لفهم ما في الداخل.
فالمشاعر الإيجابية لم تنقرض لكنها تحتاج إلى وقت أطول لتظهر، وإلى مواقف أكثر لتثبت نفسها، فإنسان اليوم أكثر قدرة على الإخفاء، وأكثر ميلًا للموازنة بين ما يشعر به وما يُظهره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك