الدكتورة حصة حامد المروانيالاستراق التنظيمي.
الوجه الناعم لاستهلاك المستثمرقال تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)أخطر أنواع الاستنزاف ليس ذلك الذي يحدث بصورة مباشرة، بل ذلك الذي يُمارَس بهدوء تحت غطاء التنظيم والإجراءات والحوكمة الشكلية، حتى يجد المستثمر نفسه بعد سنوات وقد استُنزفت فكرته، واستُهلكت طاقته، وتآكلت علاقاته داخل بيئة يفترض أنها وُجدت أصلًا لحمايته ودعم استمراره.
وفي دولة تبني رؤيتها الوطنية على تمكين القطاع الخاص وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة والكفاءات الوطنية، يصبح من المقلق أن تتحول بعض البيئات التنظيمية إلى بيئات طاردة للمستثمر بدل أن تكون بيئات جاذبة له.
فالاستثمار الحقيقي لا يقوم على رأس المال فقط، بل يقوم على الثقة، والثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسات اليومية التي يشعر من خلالها المستثمر أن هناك عدالة واستقرارًا ومهنية تحكم العلاقة بينه وبين الجهة التنظيمية.
لكن ما يحدث أحيانًا يتجاوز فكرة التنظيم إلى ما يمكن وصفه بـ (الاستراق التنظيمي)؛ وهو الاستيلاء الناعم على الجهد والفكرة والعلاقات تحت مسميات التقييم والمتابعة والإجراءات.
حين يقدم المستثمر مبادرة، يفترض أن يجد قرارًا مهنيًا واضحًا: قبولًا أو رفضًا وفق معايير معلنة،لكن ما يحدث أحيانًا مختلف تمامًا.
تُناقش المبادرات بصورة موسعة،تُكشف العلاقات والشراكات ومساحات التأثير،ثم تتعطل الإذن أو تُرفض المبادرة،وبعد فترة.
تظهر الفكرة ذاتها بصورة مختلفة ومن خلال أطراف أخرى.
وهنا لا نتحدث عن (تشابه أفكار)، بل عن بيئة بدأت تفقد الحدود الفاصلة بين التنظيم والاستحواذ الناعم على جهود المستثمرين.
الأخطر حين تتحول بعض الجهات من دورها الرقابي والتنظيمي إلى منافس غير مباشر داخل السوق نفسه، فتأتي جهة لتقيّم مشروعك، ثم تبدأ لاحقًا بمحاولة الدخول على شركائك أو تقديم الخدمات نفسها بصورة مجانية أو مدعومة، وكأن عملية التقييم لم تكن لأغراض تنظيمية بقدر ما كانت عملية كشف للسوق والعلاقات والفرص.
كيف يمكن للمستثمر أن يشعر بالأمان داخل بيئة يخشى فيها مشاركة فكرته أصلًا؟الاستراق التنظيمي لا يستهلك المال فقط، بل يستهلك الثقة، وهي أخطر خسارة قد تصيب أي قطاع، فالمستثمر يستطيع تعويض الخسائر المالية، لكنه لا يستطيع الاستمرار داخل بيئة يشعر فيها أن حضوره مراقب، وأن نموه يثير الحساسية، وأن شراكاته قد تتحول إلى أهداف مستباحة بمجرد كشفها.
المؤسسات الناضجة تنظّم القطاع دون أن تنافسه، وتحتضن المبادرات دون أن تعيد تدويرها، وتحمي المستثمر دون أن تستنزفه نفسيًا وإداريًا ومهنيًا،أما البيئات المرتبكة، فإنها تستهلك المستثمر ببطء حتى يصل إلى قناعة خطيرة:أن المشكلة لم تعد في السوق.
بل في البيئة التنظيمية نفسها.
وهنا تبدأ الكارثة الصامتة، لأن أخطر ما قد تواجهه القطاعات ليس كثرة الشكاوى، بل وصول المستثمرين إلى مرحلة الصمت الكامل والانسحاب الهادئ من المشهد.
فالقطاعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حين تغادرها الكفاءات، وتنسحب منها المبادرات، وتفقد البيئة قدرتها على الاحتفاظ بالعقول المنتجة، ولهذا فإن المسؤولية اليوم تقع على القيادات العليا لمراجعة طبيعة الممارسات التنظيمية التي تُدار بها بعض الملفات، والتأكد من أن الحوكمة لا تتحول إلى غطاء لاستهلاك المستثمر بدل حمايته.
لأن الدولة التي تريد اقتصادًا معرفيًا حقيقيًا لا يمكن أن تسمح بتحول التنظيم إلى بيئة تُطفأ فيها المبادرات، ويُستنزف فيها المستثمر، وتُستهلك فيها الطاقات الوطنية تحت عناوين تبدو مهنية.
بينما آثارها الحقيقية مدمرة للثقة والاستثمار معًا.
هل ما زلنا ننظم القطاع فعلًا.
أم نعيد استهلاك كل من يحاول أن يبني داخله؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك