أحيا العالم منذ أيام اليوم العالمي لحرية الصحافة، ولم يغفل العاملون في المجال الصحفي الليبي عندنا من باب الوظيفة العمومية عن أن يتخذوا من الصحافة موضوعًا لكتاباتهم، سيما تلك التي يتسنى لهم إعطاؤها مكان الصدارة فيما يديرونه من صحف تقع تحت إشراف الهيئة الموسومة بدعم هذا النشاط منذ انتفاضة فبراير، عندما أتاحت لأحد سجناء الرأي «إدريس المسماري» أن يغامر بتأييدها عبر فضائية الجزيرة في هواء بنغازي.
ورأى المرحوم أبوزيد دورده إحضاره إلى طرابلس بدواعٍ أمنية، وحوَّل حضوره إلى إقامة حددها، ومكنه لاحقًا من أن يتسلل تجاه تونس ويعود مرة أخرى إلى بنغازي، حيث أعلن إسقاط النظام، وتطورت الأمور إلى تبادل السلاح، وشهدت المرحلة ما شهدت من المعارك التي دامت بعض الوقت لتنتهي بسقوط النظام نهائيًا، فمات من مات، وفر من فر، وتقدم أو لنقل قفز من قفز.
وكانت الأجسام التي بدأت بتشكيل المجلس الانتقالي ومكتبه التنفيذي، حيث تبنى الأخير سياسة التقشف، وأفلح المتسللون إلى الأول من أن ينتصروا للعكس، ريثما بدا تشكيل الحكومات المتعددة والقوى السياسية التي تناحرت على أكثر من صعيد، فكان دعم وتشجيع الصحافة إلى آخر التسميات التي بدأت بإصدار جريدة فبراير.
وتلاها ما تلاها من دعوة المطبوعات التي توقفت بعض الوقت، فأمكن إحياؤها للإبقاء على العاملين في الكوادر الرسمية، ليصار إلى صرف مرتباتهم وربما حتى امتيازاتهم، ولا سيما الذين أفلحوا في تدوير ما لديهم وما جاءت به من معارك الأخوة الأعداء من كبير الفرص لبعث ما حذقوا من كتابات التأييد الواضح لكل من له صلة بالقرار ومقارعة خصومه بما لا يُتوقع من الهجاء الفاضح، الأمر الذي ليس لنا إلا أن نضرب عنه بكل ما نستطيع صفحًا، معتمدين على ذلك القول الذي كان نصه: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، لثقته بألا يجرؤ أحد فيدعي عدم الوقوع في الخطيئة، فيتناول الحجر ويلقيه على تلك البريئة من كل ما زعموا.
وقد مرت على كل المرحلة بما احتدم فيها من صراع المصالح التي استدعت أكثر من سلاح، وكان آخر ما قرأنا عن حرية الصحافة وحرية الرأي باعتبارها مما أنتج الغرب وإدانته النظم الشمولية التي سادت الوطن الليبي ضمن ما سادت في الوطن العربي، فكان إعلام السلطة، وأُكره جميع المنضوين تحت خيمة النشاط الصحفي على التعاطي معه، فاكتفى البعض بالانحناء للعاصفة حتى تمر، ومرت، وترعرع من ترعرع بداية من الوعي وحتى التعبير الذي لم يترك مجالًا لغيره، بمن في ذلك الذين سخروا كل ما لديهم لما كان يجري، ولم يُكافأوا ماديًا أو معنويًا حتى رحلوا من الدنيا.
ليبقى الذين لم يدينوا الصحافة الخاصة أو المعارضة المهاجرة بمنأى عن كل حضور، اللهم إلا ما يصر عليه أصحاب الرأي الآخر أمس واليوم، ويبقى التاريخ الحقيقي الذي ظل فوق ثقافة التشويه يحفظ لرموز الوطن كل ما يشرف من مواقف صحف الوطن وكُتاب «الوطن والدفاع والليبي والمساء وفزان والعمل والميدان» على سبيل الذكر لا الحصر، ومثل ذلك محاضر نواب 52 إلى 54م ومجالس تشريع طرابلس وبنغازي وفزان إلى آخر ما عرفته الملكية الدستورية.
وأخيرًا فإن ما يراهن عليه الكثيرون من ضياع الأرشيف الليبي لعدم حفظه أصلًا أو إتلافه المتعمد ليكون الجميع أمام التاريخ سواء، لأن العالم الواسع لم يعدم من راهنوا على الضمير، فحيل دائمًا دون ما شُوِّه ونُهب أو أُعدم، مصداقًا لقول الشاعر علي الرقيعي: ومحنة الليل أن الفجر يعقبه**مهما تطاولت الآلامُ والظلمُ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك