كان يردد محمود درويش شعره قائلا:الوطن ليس شواطئ جميلة فحسب، ليس عليلا نتنشقه، أو أطلالا تحن إليها؛ الوطن انتماء يحتل القلب، وأداء يملأ كل رفوف النفس بالمواقف، ويتمم مساحات العقل بنجوم تتلألأ تسمى بالولاء.
اليد المرتجفة لا يمكن أن تخط اسم وطن على صخرة الوطنية على شاطئ بحر جغرافي لجي، لهذا لا مساحة لمنطقة رمادية أو ارتعاش هُذب أو تكرر في تسجيل موقف تحت رحمة رفاهية تفسير الأحداث.
“الوطني لا يأكل مع الذئب”، مثل روسي مهم.
مهم جدا الوضوح والشفافية للنظر حتى من خلف زجاج الوجود وشاشة الواقع لفهم تضاريس موقفك تجاه وطنك، خصوصا عندما تتسلل يد سوداء تريد أن تطعن الوطن بخنجر كما فعلت اليد الإيرانية عندما ألقت على الوطن صواريخ “الجيرة الحسنة” التي باعتنا إياها سنين طويلة، وبرق المسيرات المبشرة بحنان الجار “الإسلامي الطيب” الذي أمطرنا أكثر من إسرائيل انطلاقا من مقولة “الأقربون أولى بالصواريخ”.
إن ما قامت به إيران سُجل كطعنة نجلاء في خاصرة التاريخ.
هذه ليست لعبة ولا مزحة قدرية.
هذه سكين جار، ومدية شر، رُسم على السكين كلمة “نحن نكره العرب والبحرين وأهلها”، وإن أخفوها تحت العباءة أو ادعوا أنها وردة ومسبحة ودعاء.
السؤال: هل يقبل الإيراني أن تُلقى عليه الصواريخ أو يقبل المناطق الرمادية أن يتخذها أي إيراني؟أخاطب بعض اليساريين العرب ممن تخلوا عن مسكنات “الشيوعية” و “أرغفة الفقراء” و “عرق الكادحين” أو “الاشتراكية الأممية” و “البروليتاريا”، وبقية أصحاب الإسلام السياسي ممن شربوا كؤوس السهر وسكبوا “الشرعية” أنخابا على طاولة “الانتصار الخائب” على الخليج، وراحوا يقفون مع المعتدي.
نعم، الخسارة الإيرانية التي رُوّج لها على أنها “الانتصار الأعظم”، كانتصار السنوار عندما أقدم على خطوة غير حكيمة فمحت غزة من الوجود لولا بقايا روح أطفال، وتشظي فقراء وأوانٍ مقطعة ممزوجة بالوجع.
نعم، كان اصطفافا أمام بحر قزوين، وعلى امتداد نصب “ميدان آزادي”.
أقول: اقلبوا الأدوار على الخريطة الوطنية الإيرانية، فهل يقبل “المرشد” موقفا رماديا من أي إيراني وإيران تتعرض للهجوم؟ هل يقبل مواقف ملونة؟ هل يقبل بأي صمت أو صناعة صناديق مليئة بالتبريرات كما يفعل بعض كتاب العرب المتطهرين بمال إيران “الطاهر”؟كذلك نحن في الخليج؛ إما أن تكون خليجيا بامتياز مع مرتبة الشرف السياسية والقومية والعروبية أو لا تكون.
الفردوس الخليجي لم يُبنَ في يوم وليلة.
والكل مستفيد من هذا الكنز الخليجي والفواكه المتدلية من على أشجار حديقة جنة الخليج الموعودة والمتشكلة على هيئة وطن، وهذا الكنز الذهبي الألماسي من إدارة عبقرية دماغ وهندسة فضية لبنية تحتية وأمن شكل لباسا قوميا.
وكل هذه الامتيازات لم تأتِ من خردة شعارات ثورية أو هلوسة أفكار أنطولوجية كونية لا علاقة لها بنكهة الوجود وفهم الكون.
فمن يريد أن ينعم بالخليج لا بد أن يكون مدافعا عنه بشراسة نمر ومخلب نسر وتوحش سمك قرش.
لا شيء بالمجان، وجنة الخليج قروض قومية في أعناقنا طيلة العمر عمرا.
فكن خليجيا تنويريا وسطيا ووطنيا كي تمنحك سماء الخليج فضاء الجمال، ويعطيك العسل عسله:“فلا الأفقُ يحضن ميت الطيورولا النحلُ يلثم ميت الزهرْ”.
كما نظمها الشاعر أبو القاسم الشابي.
لا مجال إلا أن تكون منحازا مع الخليج قيادة وشعوبا وأرضا.
لذلك أنا أسمي خطاب جلالة الملك المعظم سوسيولوجيا بـ “ألم العبقرية” و “الغضب المقدس” في خطابه الأخير.
وإن ألم الحكيم هو حكيم الألم؛ كيف تُبنى التراجيديا بشكل يحفظ الوطن مسيرة ومسرة وسيرة ومسارا.
باختصار إنها هيبة الدولة وغضب السيادة، وهنا تتجلى فلسفة الطاعة.
أن تكون هناك سفينة والرياح تملأ الإقليم تعني ربانا واحدا.
وأثبتت التجربة أن جلالة الملك المعظم احترف الوقوف في وجه العاصفة لأكثر من منعطف تاريخي؛ لحماية السفينة وتهدئة الريح وحفظ الجزيرة وأهلها.
أما من يريدون ممارسة تمثيل دور “الأستاذية” على البحرين في إيران فعليهم الانشغال بتنظيف شوارع إيران مما علق فيها من صناديق مهترئة من أخطاء سياساتهم الكارثية، فعليهم هم وبعض المغرمين أن لا يعموا عن الخشبة في العين الإيرانية وهي تتفنن في تنصيب أعمدة المشانق، وتذبح فتاة بسبب خصلة شعر خرجت تبحث عن ريح الحرية، أو عن فقيه محاصر في زاوية منزله محشورا مكمما بالقهر مقيدا بالخوف (المرجع كمال الحيدري)؛ فقط لأنه فتح نوافذ التساؤل الديكارتي للموروث الديني.
والسؤال: أين الضمير ذهب عن جنازة مرجع كالشيرازي الذي فُرضت عليه الإقامة الجبرية في الظلام لكل عمره ثم استكثروا عليه جنازة وقبرا؟لذلك المثقف الذي يقف ضد العدمية يجب أن يقف على السطوح رافعا بيده مصباحه وصوته ليقول للناس: استيقظوا من “الترياك” الديني المسيس، ومن “حشيش” النصوص الضعيفة ليبشر بالضوء.
إنه المثقف القناص وليس الكناس الذي يحترف الشتيمة؛ فالمثقف الذي يصبح فمه رشاش شتيمة هذا مثقف كناس في بلدية تراكم نفايات الثقافة المحتضرة.
نريد مثقفا وطنيا مثل تولستوي الروسي العملاق الذي كتب رواية “الحرب والسلم” مبددا قصة جشع الإنسان داعما للوطن محبا للخير، مثقفا مثل دوستويفسكي يستطيع أن يدخل إلى جحيم النفس البشرية ليضعها في مكانها الصحيح كما في روايته “الجريمة والعقاب”، أو كفولتير وهو يزرع مصابيح النقد على أسوار كنائس فرنسا، أو كشك ديكارت وهو يذيب كل شحوم الجمود والتخلف التبريري للأمم، أو كميشيل فوكو ودريدا وسارتر.
لا يمكن تقبل أي مثقف يلعب بـ “Setting” عقل الجمهور فيعبث به ويلقيه كريشة في مهب الريح ضائعا بلا هواء وبلا هوى ولا هوية.
هذا المثقف لا يكون ضد وطنه أو يجلس على “التل” أو يكون في الحديقة الخلفية والوطن يستدعيه ويدعوه بالحضور ويدعو له بالموقف والوضوء والدعاء في محراب الوطن.
كل المصائب التي ذكرتها جاءت من قنبلة فكرية موقوتة انفجرت فسببت كل هذه الآلام.
إنها “ولاية الفقيه”؛ الطاعون الذي انتشر في بعض المناطق وأصبح أشد فتكا من “الحمى الإسبانية”.
والسؤال مهم، وأنا أتحدث عن نظرية ولاية الفقيه.
دعونا نشرحها بمنطق علمي فقهي:كيف تقبلون أن تحترق حياتكم من أجل نظرية تسربت للفقه الشيعي بلا دليل معتبر؟ كيف تقبل أن تتكدس جثث شباب في عمر الزهور في لبنان والعراق واليمن وسوريا لأجل نظرية تقوم على رواية ضعيفة تسمى في مصطلح الإسناد بـ “المقبولة” (مقبولة عمر بن حنظلة)؟ ليست متواترة بل مقبولة.
نظرية نُفخت بأغلب بالونات الإعلام وقامت على أضلاع فقراء وهي قائمة على “مقبولة”؟ يا لله وألم الحقيقة عندما تجلد ظهور المنومين سياط وجع تاريخ كبير وطويل.
كيف تقبل أن تتكفن أحلامك ويُرسل مستقبلك للمقبرة لأجل نظرية بلا سند معتد به، بل لا يؤمن بها لا داعمو المذهب الأوائل كالشيخ المفيد والطوسي والكليني، ولا يؤمن بها أحد، لا السيد السيستاني ولا السيد الخوئي، ولا التبريزي ولا فضل الله ولا شمس الدين ولا العلامة الشيخ حسين العصفور ولا الشيخ يوسف صاحب “الحدائق الناضرة”، بل لم تكن في الفقه أصلا كنظرية عامة، ولا حتى الشيخ محمد أمين زين الدين والقائمة تطول، وكل علماء البحرين من المدرسة الإخبارية وأيضا المدرسة الأصولية، وكان الشيخ سليمان المدني والشيخ العصفور يدقون الأجراس منذ 47 عاما حذرا منها.
وأنا أؤمن أن “ولاية الفقيه” لا أساس علميا لها، وهي صنيعة إيرانية بامتياز.
سؤال أطرحه بمنطق العقل: ما الذي يجعل هذا البعض وهم قلة يتشبثون بنظرية ليس لها جذور لا فقهية ولا دعم عقلي ولا نقلي ولا واقعي؟ نظرية أشبه بحفرة موت، أشبه بخلطة نووية، أشبه بفخ لم يقترب أحد منها إلا ابتلعته وابتلعت أهله وابتلعت وطنه كما حدث في جنوب لبنان!من خلال تجربتي المستمرة أربعين عاما فقها وتجربة وفلسفة تفكيكية، وصلت لقناعة أن “ولاية الفقيه” المطلقة غير موجودة في الفقه الشيعي، وهذا محل إجماع، بل كل الفقهاء لا يرون شرعية إقامة دولة دينية في غياب الإمام المهدي، فمن أين أتت إيران بكل ذلك؟إنها قصة خياطة فقهية تم تطريز قماش الرغبة الإيرانية في ثوب اسمه “ولاية الفقيه” على الجسد الإيراني، وتصدير نسخ من الثوب إلى أكثر من منطقة شيعية، هذا الثوب الذي ما دخل لبلد إلا وتحول إلى كفن كما حدث في جنوب لبنان والعراق وسوريا.
السؤال: هل تفيق هذه القلة من الشيعة لتلتحق بمدرسة الخوئي التقليدية المبتعدة عن السياسة والشيخ يوسف صاحب الحدائق، فيوفرون على العالم هذه الفواتير وهذه الضحايا التي ما عادت تشبع المسلخ الإيراني والسياف الديني الذي لا يمل ولا يشبع من صناعة المحارق، وتكدس الجثث وتقطيع الخرائط لأجل نهم إيراني بحت ليرضي شهيات فئة قليلة من الحرس الثوري، الذي اختطف إيران والتشيع والعالم إلى حيث جنون النرجسية وهوس التمدد وصناعة التراجيديا في بورصة دم ملَّ الدم وتعبت البورصة وهم لم يتعبوا؟تلك هي الحكاية، فمتى تنتهي القصة ويبدأ الناس يرجعون للحياة بعد حياة قضوها مع مسلسل إيراني اسمه “The Walking Dead” في حياة أشبه بغابة محاصرة لحافظ شيرازي مخطوفا ما بين قنبلتين: قنبلة الحرس الثوري وقنبلة فيلق القدس، تتدلى من على رأس الشاعر حافظ شيرازي قرب رقبته مشنقة “ولاية الفقيه”؟كلما زاد عقلاء الشيعة ودقوا الأجراس وأوقدوا المصابيح وفتحوا العقول على الحقيقة، كلما بدأ التنوير وانتقلنا من العدمية إلى التفاؤل.
هنا ستشرق شمس بعد ليل دامس طويل.
الجار جار حقيقي وليس منشارا.
هكذا هي نظرية ولاية الفقيه، أثبتت أنها أشبه بالمذبح الذي لا يشبع من القرابين.
* مستشار هيئة البحرين للثقافة والآثار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك