على مدى عقود طويلة، غذى أدب وأفلام الخيال العلمي تصورات عن عالم تتفاعل فيه أدمغتنا مباشرة مع الآلات، سواء عبر زرعات عصبية تربط الإنسان بالتكنولوجيا لاستعادة قدراته أو تعزيزها، كما في مسلسل" Star Trek" أو فيلم" RoboCop"، واليوم، لم تعد هذه الصور بعيدة تماماً عن الواقع.
في العالم الحقيقي، يعمل الباحثون منذ سنوات على تطوير ما يعرف بالواجهات الدماغية – شرائح حاسوبية أو BCI – وهي تقنيات تهدف إلى مساعدة الأشخاص الذين يعانون من الشلل، أو فقدان البصر أو السمع، وغيرها من الإعاقات العصبية، على استعادة بعض الوظائف الأساسية.
بالفعل، تمكن بعض المرضى من استخدام هذه الواجهات للتحكم في مؤشر الحاسوب بأفكارهم، أو تحريك ذراع روبوتية، بل وحتى تحويل جزء من أفكارهم إلى نص مكتوب.
مكاسب الذكاء الاصطناعي تضع" ألفابيت" على أعتاب لقب أكبر شركة في العالمتقنية في بداياتها لكن الزخم يتسارعورغم أن هذه التكنولوجيا لا تزال في مراحلها المبكرة، وعدد من خضعوا فعلياً لزراعة هذه الأجهزة لا يتجاوز المئات، فإن القطاع يقترب من نقطة تحول مهمة.
حتى الآن، لم تحصل سوى شركات قليلة على موافقات تنظيمية تسمح لها بتجاوز التجارب السريرية والتوجه نحو الاستخدام التجاري، وغالباً في تطبيقات محدودة.
لكن التطورات السريعة في العتاد التقني ونماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على فك شفرة الإشارات العصبية أعادت إشعال الاهتمام بهذا المجال، بحسب تقرير لـ" بلومبرغ"، اطلعت عليه" العربية Business".
لم يمر هذا الزخم دون جذب كبار المستثمرين، إذ أبدى مليارديرات بارزون اهتماماً كبيراً بهذه التقنية، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة" تسلا"، وسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ" أوبن إيه آي".
ويراهن بعضهم على أن الواجهات الدماغية الحاسوبية قد تتحول يوماً ما إلى تكنولوجيا استهلاكية يومية، تمنح البشر – نظرياً – قدرات تتجاوز حدودهم الحالية.
الواجهة الدماغية الحاسوبية، هي نظام يربط الدماغ مباشرة بجهاز إلكتروني، مثل الحاسوب، متجاوزاً باقي أعضاء الجسم.
وتعمل هذه الواجهة على رصد نشاط الدماغ، كالإشارات الكهربائية التي تولدها الخلايا العصبية، ثم ترجمتها إلى أوامر يمكنها التحكم في آلات أو برمجيات.
وتكمن الأهمية الطبية لهذه التقنية في منح الأمل لمن تضررت الأعصاب الواصلة بين الدماغ والعضلات.
إذ يمكن أن تساعد المرضى غير القادرين على الكلام على التواصل، أو تمكن المصابين بالشلل من التحكم في أجهزة خارجية باستخدام عقولهم فقط.
كما قد تسهم في تحسين جودة حياة مرضى السكتات الدماغية، أو من يعانون أمراضاً عصبية خطيرة مثل التصلب الجانبي الضموري (ALS).
لا يقتصر دور هذه الواجهات على قراءة الإشارات العصبية، بل يمكنها أيضاً تحفيز الدماغ بمعلومات قادمة من العالم الخارجي.
وهذا يفتح الباب أمام تطبيقات تعيد البصر لبعض فاقديه، أو السمع لمن يعانون ضعفاً شديداً فيه.
صحيح أن زراعة القوقعة تستخدم منذ ستينيات القرن الماضي لمساعدة ضعاف السمع، لكنها تعتمد على تحفيز العصب السمعي وليس الدماغ مباشرة.
نظرياً، يمكن لهذه التقنية أيضاً تعديل النشاط العصبي عبر إرسال إشارات تستهدف مناطق معينة من الدماغ مرتبطة باضطرابات عصبية أو نفسية.
ورغم أن التحفيز العميق للدماغ يستخدم علاجياً منذ سنوات، مثل تخفيف الرعشة لدى مرضى باركنسون، فإن هذه التطبيقات تعد أقل تطوراً مقارنة بما تطمح إليه الأجيال الجديدة من واجهات الدماغ.
هل تزرع هذه الأجهزة فعلاً داخل الدماغ؟تتنوع أشكال الواجهات الدماغية.
فبعضها يعتمد على أقطاب تزرع داخل أنسجة الدماغ مباشرة، وبعضها يوضع فوق الدماغ لكن داخل الجمجمة، بينما توجد أيضاً أجهزة غير تدخلية تثبت خارج الرأس.
ولا يزال الجدل قائماً حول مدى القرب المطلوب من الدماغ لالتقاط إشارات دقيقة وفعالة.
وفي اتجاهات أكثر جرأة، يجري استكشاف استخدام خلايا بيولوجية بدلاً من الأسلاك لربط الواجهة بالدماغ.
وتعمل شركة" Science Corp" الأميركية على تطوير جهاز" هجين حيوي" يستخدم طبقة من الخلايا العصبية لتشكيل جسر مع أنسجة الدماغ.
كما تتجه شركات أخرى إلى استخدام الموجات الصوتية بدلاً من الإشارات الكهربائية.
وفي الولايات المتحدة، يشمل ذلك شركات ناشئة مثل" Merge Labs" التي شارك سام ألتمان في تأسيسها، وشركة" Nudge" التي أسسها الملياردير المتخصص في العملات المشفرة فريد إيرسام.
أما في الصين، فبرزت هذا العام شركة" Gestala" كأول شركة محلية تركز على الواجهات الدماغية الحاسوبية المعتمدة على الموجات فوق الصوتية، بدعم من رجل الأعمال الصيني تشن تيان تشياو.
وبينما لا تزال هذه التقنيات بعيدة عن الاستخدام الواسع، فإن التطورات المتسارعة تشير إلى أن ما كان ينظر إليه يوماً كخيال علمي قد يتحول تدريجياً إلى واقع ملموس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك