(دكتوراه الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام جامعة القاهرة)وأنا صغيرة، شاهدت فيلم Conspiracy Theory، بطولة Julia Roberts وMel Gibson.
وقتها لم أمتلك القدرة على استيعاب كل تفاصيله، ولا حتى على تفكيك طبقاته النفسية المعقدة، لكن إحساسًا غامضًا بقي عالقًا في ذهني: ذلك القلق الخفي الذي يخلّفه الشك حين يتحول من مجرد أداة للفهم إلى عدسة ثابتة نرى بها العالم كله.
لم يكن الفيلم مخيفًا لأنه يتحدث عن مؤامرة، بل لأنه يضع المشاهد أمام احتمال أكثر إرباكًا: ماذا لو تحول الشك إلى حالة دائمة؟ أن يصبح البحث عن المعنى الخفي عادة لا يمكن التوقف عنها.
ومع مرور الوقت، لا يعود السؤال: هل هناك مؤامرة فعلًا؟ بل يصبح: هل ما زلنا قادرين على التمييز بين الحقيقة والاحتمال؟
في حياتنا اليومية، لا نكتفي غالبًا بطرح الأسئلة حين تواجهنا أحداث غير مفهومة، بل نميل، بشكل شبه تلقائي، إلى بناء رواية متكاملة.
رواية تحتوي على أسباب واضحة، ونوايا خفية، وخيوط غير مرئية تربط بين تفاصيل متباعدة.
فكرة أن الأمور قد تكون عشوائية، أو أن بعض الأحداث لا تحمل معنى واضحًا، تبدو قاسية على العقل الإنساني، بل وربما غير مقبولة نفسيًا.
في المقابل، تبدو فكرة أن هناك من يدير المشهد — حتى من وراء ستار — أكثر طمأنينة، لأنها تمنحنا إحساسًا بوجود نظام، حتى لو كان هذا النظام قائمًا على افتراض غير دقيق.
في هذه اللحظة تحديدًا، يحدث التحول:حين يعجز العقل عن فهم العالم، لا يتوقف بل يعيد اختراعه، وأبسط اختراع ممكن أن هناك من يتآمر.
في الحقيقة لا يمكن التعامل مع نظرية المؤامرة باعتبارها مجرد انحراف فكري أو موقف متطرف؛ فهي، في جوهرها، طريقة في تفسير واقع غامض.
واقع يفترض أن الصدفة نادرة، وأن النية حاضرة دائمًا، وأن وراء كل حدث فاعلًا خفيًا يمتلك القدرة على التحكم والتوجيه.
المشكلة لا تكمن في الاعتراف بوجود مؤامرات فعلية، فالتاريخ الإنساني مليء بها، وإنما في الميل إلى تعميم هذا التفسير على كل شيء.
عند هذه النقطة، لا يعود الإنسان بصدد محاولة فهم الواقع، بل يصبح بصدد استبداله برواية بديلة أكثر اتساقًا مع احتياجاته النفسية.
السؤال الأكثر أهمية، إذن، ليس: هل توجد مؤامرات؟بل: لماذا نجد أنفسنا، في كثير من الأحيان، أكثر استعدادًا لتصديقها؟
الإجابة لا ترتبط بالمعرفة بقدر ما ترتبط بطبيعة العقل البشري.
فالعشوائية، في حد ذاتها، فكرة مربكة؛ الإقرار بأن بعض الأحداث قد تقع بلا سبب واضح، أو بلا عدالة، يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع هشاشة الواقع.
وهنا تظهر نظرية المؤامرة كبديل تفسيري مريح: إذا كان هناك من خطّط، فهناك سبب؛ وإذا كان هناك سبب، فالعالم ـ رغم قسوته ـ يظل قابلًا للفهم.
إلى جانب ذلك، يميل العقل إلى رفض الفراغ المعرفي.
عبارة “لا أعرف” ليست سهلة، ولا مريحة، ولذلك يسعى العقل إلى ملئها بسرعة، أحيانًا بأي تفسير متاح، بغض النظر عن دقته.
ومن هنا، لا تكون المشكلة في الجهل، بل في الاستعجال في إغلاق دوائر التفكير.
كما تمنح هذه النظريات إحساسًا ضمنيًا بالسيطرة.
فبدلًا من عالم مفتوح على احتمالات لا نهائية، تتحول الصورة إلى بنية يمكن فهمها: هناك فاعل، وهناك خطة، وهناك اتجاه.
وهذا، في حد ذاته، يقلل من وطأة الفوضى.
ولا يمكن إغفال عامل آخر لا يقل تأثيرًا: الإحساس بالتميّز.
الاعتقاد بأنك ترى ما لا يراه الآخرون، وأنك تدرك ما وراء الصورة الظاهرة، يمنح شعورًا داخليًا بالتفوق المعرفي، حتى وإن كان هذا الشعور قائمًا على استنتاجات غير مكتملة.
لكن ما يزيد من تعقيد هذه الظاهرة اليوم هو السياق الذي نعيش فيه.
فنحن لا نتعامل مع معلومة واحدة أو رواية واحدة، بل نواجه تدفقًا مستمرًا من المعلومات، والتحليلات، والتفسيرات، والآراء المتباينة.
كل حدث، مهما كان بسيطًا، يمكن أن يتحول إلى عشرات الروايات، ومئات القراءات، وآلاف الاحتمالات.
لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائضها.
لم يعد التحدي هو الوصول إلى الحقيقة، بل القدرة على التمييز بينها وبين ما يشبهها.
ومع هذا الإغراق المستمر، يصل العقل إلى حالة من الإرهاق المعرفي، يفقد فيها القدرة على الفرز الدقيق بين ما هو مهم وما هو هامشي، بين ما هو قائم على دليل وما هو مجرد تخمين.
في هذه اللحظة، يتغير الهدف دون أن نشعر: لا نعود نبحث عن الحقيقة، بل عن الراحة.
عن تفسير قادر على إيقاف هذا التدفق، وعلى منحنا شعورًا مؤقتًا بالاستقرار.
وأي فكرة تبدو متماسكة ظاهريًا، وقادرة على تقديم إجابة واضحة، تصبح مرشحة لأن يتم تبنيها، حتى لو كانت تفتقر إلى الدقة.
هنا تحديدًا، تبرز جاذبية نظرية المؤامرة.
ليس لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها حاسمة.
لأنها تُغلق الدائرة، وتمنح إجابة، وتنهي حالة التردد.
لكنها، في الوقت نفسه، تحمل ثمنًا غير بسيط: تآكل الثقة، تصاعد القلق، الانغلاق الفكري، والعيش داخل تصور بديل يتم التعامل معه كما لو كان واقعًا.
ومن هنا، تبدو الجملة التالية أكثر دقة مما نتصور:ليس كل ما يساعدنا على التحمل… يساعدنا على البقاء.
في مواجهة هذا كله، لا يبدو الحل في الرفض المطلق ولا في القبول المطلق، بل في بناء وعي بطريقة التفكير نفسها.
في القدرة على التمييز بين الشك كأداة للبحث، والشك كحالة ذهنية مغلقة.
في تقبّل أن بعض الأسئلة قد تظل بلا إجابة نهائية، وأن الغموض، رغم صعوبته، جزء أصيل من الواقع.
والأهم من ذلك، هو طرح السؤال الأكثر إزعاجًا:هل أتبنى هذا التفسير لأنه مدعوم بما يكفي من الأدلة أم لأنه يمنحني راحة نفسية أحتاجها؟في النهاية، لا تكمن المشكلة في وجود مؤامرات من عدمه، بل في اللحظة التي يعتاد فيها العقل على البحث الدائم عن المعنى الخفي، فيفقد تدريجيًا قدرته على رؤية المعنى الواضح.
وفي عالم يتسم بكل هذا التعقيد، قد لا يكون البقاء مرهونًا بقدرتنا على كشف ما وراء الستار،بقدر ما هو مرتبط بقدرتنا على تحمّل أن بعض الستائر… قد لا تُفتح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك