عندما طلبت منها إحدى زبائنها زهرة ذات معنى معين، وصعب عليها الحصول على هذه الزهرة لاختلاف الموسم، فكرت في وضع أي زهرة أخرى تجدها مناسبة، فالزبونة لا تعرف خبايا عالم الزهور، ولكنها توقفت لبرهة وقالت لنفسها، " لم أكن مخلصة في حياتي لشيء إلا للزهور، فإذا كذبتُ بشأنها، لن يبقى لي شيء جميل أو حقيقي في حياتي".
هذه الكلمات التي ذكرتها فانيسا ديفينبو في روايتها لغة الزهور، تعد امتداداً لحضارات وعصور كانت مخلصة للغة زهور بدأت مع الحضارات الأولى وفاح عبيرها مذ ذاك.
وراحت تنشد هذا المعنى أو ذاك إلى أن وصلت إلينا محملة بالعطر والمعنى العابق حتى بين هذه السطور التي يرق القلب أثناء قراءتها، فقط لأنها تتحدث عن إرث الزهور ولغتها.
قبل ظهور الأديان المنظمة كما نعرفها اليوم بزمن طويل، كانت الأزهار تقدس كرموز حية للحياة والموت والقوة الإلهية.
ففي مختلف الحضارات القديمة، أدرك الإنسان في جمال البتلات الزائل أسرار الوجود ودورات الطبيعة.
فمن النيل إلى بحر إيجه، ومن أميركا الوسطى إلى بلاد ما بين النهرين، كانت الأزهار أكثر من مجرد زينة، بل كانت قنوات للعبادة والأساطير والفهم الكوني.
فقد أدركت الحضارات القديمة أن حياة الزهرة الزائلة تحمل دروساً خالدة، مثل هشاشة الحياة ووعد التجدد ولمسة الإله الدائمة.
ومن خلال تكريم الأزهار في الطقوس والفنون والحياة اليومية، احتفت هذه المجتمعات بالجمال كلغة مقدسة، لغة لا يزال صداها يتردد في المخيلة المعاصرة.
ففي الحضارات السومرية والأكادية والبابلية القديمة، كانت الأزهار ترمز إلى الخصوبة والوفرة والنظام الإلهي للطبيعة.
وظهرت أزهار الكركديه والزنبق ونخيل التمر في الأختام الأسطوانية والنقوش البارزة، دلالة على الرخاء والتوازن الكوني.
كذلك لعبت الأزهار دوراً في طقوس الجنازة، إذ مثلت التجدد والأمل في الخلود بالآخرة.
وعلى ضفاف النيل الخصبة، كانت للزهور دلالات روحية ورمزية عميقة.
فزهرة اللوتس المقدسة كانت الأبرز لدى المصريين القدماء، فطقوسها اليومية المتمثلة في الانغلاق ليلاً والانفتاح فجراً تعكس دورات الحياة والموت والبعث، وهي بدورها تعكس معتقدات المصريين القدماء حول الحياة الآخرة، إضافة إلى تداخلها مع طقوس العبادة والدفن.
وكثيراً ما تأمل الفلاسفة والشعراء اليونانيون في الطبيعة الزائلة للزهور كاستعارة للوجود البشري، فقد زينت الزهور المذابح، ونُسجت في أكاليل للمهرجانات، وزُينت بها القبور لتكريم الموتى، مما خلق حواراً حياً بين البشر والآلهة.
وفي الحضارة اليونانية، كانت الأزهار جزءاً لا يتجزأ من الأساطير والطقوس والفلسفة، فالوردة كانت مرتبطة بأفروديت إلهة الحب والرغبة والجمال، وتمثل بتلاتها الرقيقة الشوق الرومانسي والجمال الإلهي.
أما النرجس، فكان مرتبطاً بأسطورة الشاب نرجس، وامتداداً لها تأثرت الديانة الرومانية بشدة بالتقاليد اليونانية، فاحتضنت الزهور كرموز للحياة والحب والرخاء، واحتلت الورود مكانة مركزية في الطقوس المخصصة لفينوس إلهة الحب، بينما رمزت أكاليل الغار إلى النصر والرضا الإلهي، واستُخدمت لتتويج الأباطرة والأبطال العسكريين على حد سواء.
وفي حضارات أميركا الوسطى، عدها شعبا المايا والأزتك هدايا مقدسة من الآلهة، ترمز إلى الحياة والخصوبة والجمال الإلهي.
أما في العصور القديمة، فقد أولت الحضارات الصينية أهمية رمزية للزهور، فالفاونيا التي تُعد ملكة الزهور، كانت ترمز إلى الثروة والشرف والجمال، أما الأقحوان فرمز إلى الصبر والنبل والنزاهة الأخلاقية، بينما أزهار البرقوق التي تتفتح في الشتاء رمزت إلى الصمود والتجدد.
وقد اندمجت هذه الزهور في الفكر الطاوي والكونفوشيوسي، حيث كان الجمال الطبيعي يعكس الفضيلة الأخلاقية والارتقاء الروحي.
وفي ما بعد، شهد عصر النهضة الذي تميز بإحياء الفن والتعليم، ظهور الرمزية الزهرية كوسيلة قوية للتعبير عن المشاعر، إذ لم تكن الحدائق التي ازدهرت خلال هذه الفترة مجرد مساحات مادية، بل كانت مستودعات للإلهام الفني، حيث كان لكل زهرة معنى يتجاوز وجودها النباتي.
وإلى جانب دورها في الفن، امتد سحر الزهور الرمزي إلى الحياة اليومية، فشكل العادات والطقوس وحتى التفاعلات الاجتماعية.
إذ لم تعد باقات الزهور مجرد تعبير عن الجمال، بل أصبحت تنسيقات معقدة زاخرة بالمعاني، تنقل رسائل الحب والحزن والاحتفال.
وقد اكتسبت لغة الزهور، المعروفة باسم علم الزهور، مكانة بارزة، مما أتاح للناس التعبير عن مشاعرهم بطريقة رقيقة وراقية.
وفي الإمبراطورية العثمانية، كان هناك نظام اسمه selam حيث ترسل الناس زهوراً وفاكهة بمعان مثل زهرة الحب وزهرة الاعتذار وزهرة الرفض.
وفي القرنين الـ17 والـ18 في أوروبا ظهر التحول، حيث كان المجتمع محافظاً جداً والتعبير عن الحب ممنوعاً وغير مرحب به علناً، فبدأ الناس بإرسال الزهور وكأنها رسائل مشفرة.
أما في العصر الفيكتوري في بريطانيا وفرنسا في القرن الـ19، فقد صممت قواميس الزهور وأصبحت الناس تجمع الزهور وتعطي لها معنى ثابتاً ومن أشهر كتبهم La langage des fleurs 1819.
وصولاً إلى عصرنا هذا، عصر التصنيع والتوسع الحضري والاهتمام المتزايد بالبيئة، أصبحت لغة الزهور الرمزية جسراً يربط بين الإنسان والعالم الطبيعي، وأصبح الاستخدام المتعمد للرمزية الزهرية وسيلة للتعبير عن تبجيل الطبيعة وإيقاظ الوعي البيئي وإدراك الترابط الوثيق بين الإنسان والبيئة.
ومع الزمن، حظيت الأزهار بمعان جمة، أجمعت عليها الشعوب والعلماء، فجاء رمز الورد الأحمر وأخذ معنى الحب والتضحية والشغف وأحياناً الألم.
ففي الأساطير اليونانية، ذكرت بعض الروايات أن أدونيس حبيب أفروديت انجرح فأصبحت دماؤه صبغ الورد الأحمر.
وهذا ما يقال أيضاً عن شقائق النعمان التي باتت تعبر عن الحزن والفقد، وقد ارتبطت كذلك بأدونيس الذي قيل أيضاً إنها نبتت من دمه بعد موته، ولونها أحمر هادئ وتظهر وتختفي سريعاً أي إنها ذكرى موقتة.
وأخذ التوليب الأحمر معنى الحب الصداقة والإخلاص، إذ جاء في الأساطير الفارسية أنه كان هناك عاشق مات من الحزن ومن دمه نبت التوليب.
بينما اتخذ النرجس معنى حب الذات والبداية الجديدة والأمل فقصة Narcissus الذي كان مغرماً بنفسه لدرجة أنه ظل ينظر لانعكاسه في المياه حتى اختفى وتحول لزهرة.
فيما اتخذ عباد الشمس معنى يدل على الولاء والثبات، مستنداً على أسطورة Clytie التي أحبت إله الشمس هيليوس، وعلى رغم رفضه لها فإنها رفضت الطعام والشراب وكل شيء ووقفت تنظر له من مطلع الشمس لمغربها تدور معه، حتى تحولت كليتي إلى زهرة دوار الشمس.
ومن الزهور، زهرة الكاميليا الدالة على الجمال والإعجاب الصامت، وارتبطت في العصر الفيكتوري بالطبقة الراقية وذلك بسبب منظرها المثالي الخالي من العيوب.
وعلى الجهة الأخرى من العالم، كانت أزهار الكرز التي تُرجم شكلها وسرعة وجودها وذبولها أنها ترمز إلى الجمال الموقت وهشاشة الحياة، كذلك ارتبطت في تراثهم بثقافة الساموراي، حيث من الممكن أن تنتهي الحياة في لحظة، وأيضاً ربطها البعض بالاستمتاع في اللحظة الحالية.
وللراحة والهدوء النفسي، كان اللافندر الذي استخدم في روما القديمة للاستحمام بسبب رائحته المهدئة واستخدامه في التطهير.
فيما أعطي الأقحوان معنى يدل على البراءة والصدق حيث ارتبط في أوروبا بالأطفال لمنظرها البسيط.
وكذلك كان للأنوثة لون وهو الكركدية، فحمل هذا المعنى بسبب لونه القوي الذي يجذب الانتباه والذي كانت قديماً ترتديه الفتيات.
في وقت تغير وتبدل معنى التوليب الأصفر الذي رسى أخيراً على السعادة، بينما كان قديماً يدل على الغيرة، وفي العصر الفيكتوري كان له معنى سلبي أحياناً، لكنه تغير وأصبح الأصفر يشير إلى الشمس والفرح.
أما التوليب الأبيض فيدل على الاعتذار بسبب لونه الذي يعني الصفاء، ومثله الزنبق الأبيض الذي اتخذ معنى النقاء والاعتذار العميق لأنه يرتبط بالتطهير.
وفي الأساطير اليونانية يُقال إن الإلهة هيرا، رمز الزواج والنقاء، كانت لديها لبن إلهي، وأثناء إرضاع طفل سقط جزء من اللبن على الأرض ومنه نبت الزنبق الأبيض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك