منذ نهاية الحرب الباردة، لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى القوة العسكرية التقليدية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للحفاظ على زعامتها العالمية، وإنما تبدأ السيطرة الحقيقية على النظام الدولي من التحكم في شرايين التجارة والطاقة والممرات البحرية، التي تتحكم بحركة الاقتصاد العالمي.
ومن هنا يمكن فهم السياسة الأمريكية في الوقت الراهن بوصفها مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد، للهيمنة على أهم المضايق والقنوات البحرية في العالم، باعتبارها مفاتيح القوة في القرن الحادي والعشرين.
الحديث عن «شرايين العالم البحرية»؛ مضيق هرمز، ومضيق ملقا، ومضيق باب المندب، ومضيق البوسفور، وجبل طارق، وقناة السويس، وقناة بنما؛ لا يمكن أن يقف عند مجرد التوصيف الجغرافي، بل يتعداه إلى التوصيف السياسي والاقتصادي، باعتبارها مراكز التحكم في حركة التجارة الدولية والطاقة العالمية.
هذه الممرات هي نقاط الاشتباك الحقيقية في معركة الهيمنة على القرن الحادي والعشرين، تختصر المسافات، وتتحكم في أسعار النفط، وتحدد مسارات البضائع، وتمنح من يسيطر عليها قدرة هائلة على الضغط السياسي والاقتصادي.
السعي الأمريكي للسيطرة على هذه الممرات لا يخفى هدفاً استراتيجياً واضحاً، وهو إحكام القبضة على الاقتصاد العالمي، وفي مقدمته كبح جماح الصين كعملاق اقتصادي صاعد يهدد عرش الولايات المتحدة.
من خلال هذه الممرات يمر أكثر من 80% من التجارة العالمية، وأغلب إمدادات الطاقة من النفط والغاز.
وأي قوة تسيطر عليها تستطيع أن تقطع الإمدادات أو تعطل سلاسل التوريد في أي لحظة.
تتجلى الأهمية القصوى لمضيق ملقا، الواقع بين ماليزيا وإندونيسيا، كأهم ممر مائي للصين في طريقها إلى الأسواق العالمية.
فحوالي 85% من واردات بكين النفطية تعبر هذا المضيق الضيق، مما يجعله «كعب أخيل» الاقتصاد الصيني.
ولذلك تعمل واشنطن عبر قواعدها العسكرية في سنغافورة والفلبين، ومعاهداتها الدفاعية مع حلفاء المنطقة، على نصب أعين تراقب كل سفينة صينية تعبر هذا الممر الحيوي.
وبالأهمية نفسها، فإن إصرار أمريكا على السيطرة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث النفط العالمي، يمنحها قدرة هائلة على التأثير في أسعار الطاقة عالمياً، وأي تهديد إيراني لهذا المضيق يقابله حضور عسكري أمريكي كبير في منطقة الخليج.
وبالمثل، فإن مضيق باب المندب (بوابة البحر الأحمر وخليج عدن) يتحكم في الوصول إلى قناة السويس، التي أصبحت اليوم أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة الصينية-الأوروبية.
أما مضيق البوسفور فهو يربط البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط، وتسيطر عليه تركيا حليفة الناتو، مما يضيق الخناق على طموحات روسيا والصين في المنطقة.
المفارقة أن الحرب الاقتصادية التي تشنها واشنطن على بكين اليوم، من رسوم جمركية وحظر تقني وتقييد للاستثمارات، لن تكتمل بدون هذه السيطرة على الممرات البحرية، حيث يمكن لأمريكا أن تتحكم في وصول البضائع الصينية إلى أسواق أوروبا، أو تدفق النفط والغاز إلى مصانعها، دون أن توجه طلقة واحدة، وهذا هو السلاح الأكثر فاعلية في صراع القوى.
ولهذا السبب تسابق الصين الزمن لإنشاء ممرات بديلة: «مبادرة الحزام والطريق»، ومشروع السكك الحديدية العابرة لآسيا، واستثماراتها في موانئ عدة دول.
بكين تدرك تمام الإدراك أن بقاء اقتصادها رهينة لممرات تسيطر عليها واشنطن يعني بقاءها في قفص استراتيجي مصمَّم بدقة.
إن السباق نحو السيطرة على شرايين العالم البحرية ليس مجرد صراع على النفوذ العسكري، لكنه المعركة الحقيقية لتحديد هوية القوة الأعظم في قادم السنوات.
فإما أن تظل أمريكا «شرطي الممرات» للاقتصاد العالمي، وإما أن تكسر الصين هذه القيود وتخطو بحرية إلى مكانتها التي تستحقها بين الأمم.
في الماضي كانت القوى الكبرى تتسابق للسيطرة على الطرق البرية للقوافل، أما اليوم فإن الصراع يدور حول الموانئ والمضايق والقنوات البحرية.
ومن هنا، فإن المعركة الأمريكية ضد الصين ليست مجرد خلاف اقتصادي أو نزاع تجاري، بل صراع وجودي على قيادة العالم لعشرات -أو مئات- السنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك