لم تكن أزمة مصر منذ 30 يونيه 2013 وحتى اليوم، مجرد خلاف سياسي بين فريقين، ولا تنافس بين تيارات وأفكار متناقضة، بل معركة أعمق بكثير، معركة بين تصورين للحياة نفسها.
بين مصر التي آمنت دائماً بالدولة الوطنية، بالفن والجمال والانفتاح الحضاري، ومصر أخرى حاولت جماعات التطرف الديني اختطافها وتحويلها إلى ساحة للكراهية والقطيعة مع العصر.
وبين الحكايتين يطل كل حدث جديد كاشفاً هذا الانقسام المستمر، حتى لو بدأ الأمر من فيديو مرتبك لممثل هارب يحاول تعكير لحظة حزن شعبي على رحيل فنان أحبته الملايين.
هكذا بدا ظهور الممثل الإخواني الهارب وجدي العربي، مستغلاً الزخم الذي صاحب وفاة أمير الغناء العربي هاني شاكر، ليعرض بضاعته الرخيصة، في محاولة بدت أقرب إلى تصفية حسابات قديمة منها إلى استدعاء الذكريات.
تحدث وجدي بكلام محسوب، وموضوعية خادعة، لم تنجح في إخفاء مرارة واضحة تجاه زميل الدراسة القديم، وكأن نجاح هاني شاكر الإنساني والفني ظل يطارده حتى بعد الرحيل.
ولعلها مفارقة مثيرة أن الضدين هاني ووجدي، جمعتهما زمالة قديمة في مدرسة الناصرية الإعدادية بشارع معروف، والقريبة من محل سكنهما بمنطقة وسط القاهرة، حيث بدآ رحلتهما مع الفن مبكراً.
ففي ستينات القرن الماضي ظهرا في عملين من علامات السينما المصرية، جسد هاني شاكر في صباه شخصية فنان الشعب سيد درويش، في الفيلم الذي حمل اسمه وأخرجه أحمد بدرخان عام 1966، بينما لعب وجدي العربي دور كمال، الابن الأصغر للسيد أحمد عبدالجواد في طفولته، في فيلم «بين القصرين» المأخوذ عن ثلاثية نجيب محفوظ عام 1964، قبل أن يستكمل نور الشريف تطور الشخصية في فيلمي «قصر الشوق» و«السكرية».
ولم تكن شخصية كمال عبدالجواد شخصية عادية في عالم محفوظ، بل كانت الأقرب إلى روحه وأسئلته الفكرية والوجودية.
كانت البداية متقاربة رغم نجومية وجدي السابقة لهاني، إلا أن كليهما كان له حضور فني واعد، وأبواب مفتوحة نحو مستقبل كبير.
لكن الطريقين سرعان ما افترقا، ليس فقط على مستوى النجاح الفني، وإنما على مستوى الوعي والرؤية والموقف من الحياة نفسها.
لم تكن أزمة وجدي العربي في التدين، فالتدين الحقيقي قيمة أخلاقية وإنسانية لا خلاف عليها، كما أن اعتزال الفن ليس جريمة ولا عيباً، وقد سبقه إلى ذلك كثيرون، أبرزهم شقيقه الممثل المعروف محمد العربي.
لكن المأساة بدأت عندما تحولت الرحلة من تدين طبيعي ومتوازن إلى انخراط كامل في خطاب أيديولوجي مغلق، يرى الفن شبهة، والجمال انحرافاً، والوطن مجرد وسيلة لتحقيق أهداف وأطماع تنظيمات وجماعات مارقة.
وهنا تتكشف الحكاية الأهم، حكاية الصراع الممتد منذ عقود بين تيار الوطنية المصرية وجماعات الإسلام السياسي والتطرف الديني، وفي مقدمتهم الحاضنة الأم جماعة الإخوان.
لم تكن تلك الجماعات في يوم من الأيام معنية فقط بالسلطة أو السياسة، بل خاضت معركتها الأخطر ضد روح المجتمع نفسه.
أدركت مبكراً أن مصر الحقيقية لا تقوم فقط على الجيش والدولة، بل على القوة الناعمة التي صنعت وجدان المنطقة العربية لعشرات السنين؛ الأغنية، والسينما، والمسرح، والكتاب، والتعليم، والفكرة الوطنية الجامعة.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول معاركهم الأساسية إلى حروب مفتوحة ضد كل ما يصنع إنساناً حراً ومتوازناً وقادراً على التفكير.
ومن هنا يمكن فهم حملات التشويه المستمرة التي تعرض لها الفنانون والمبدعون، ومحاولات تصويرهم باعتبارهم رموزاً للفساد والانحلال، بينما كانت الحقيقة أن هؤلاء شكلوا أحد أهم خطوط الدفاع عن الهوية المصرية الحديثة.
وفي الجهة المقابلة وقف هاني شاكر ممثلاً لمسار مختلف تماماً، مسار الفنان الذي ظل وفياً لفكرة الرقي والاحترام والانتماء الوطني.
لم يكن مجرد مطرب ناجح يمتلك صوتاً استثنائياً، بل كان جزءاً من صورة مصر الثقافية أمام العالم العربي.
وعلى مدار أكثر من خمسة عقود حافظ الرجل على مكانته بهدوء وثبات، مجتهداً في تطوير نفسه دون أن يتخلى عن أصالة الغناء الشرقي أو احترامه لذائقة الناس.
وحين تولى مسئولية نقابة الموسيقيين لم يتعامل معها باعتبارها منصباً إدارياً، بل باعتبارها معركة دفاع عن قيمة الفن ذاته، في مواجهة موجات الفوضى والانحدار التي ضربت المجال العام خلال السنوات الأخيرة.
وربما لهذا السبب تحديداً بدا الحزن الشعبي على رحيله مختلفاً، لم يكن الناس يودعون مطرباً فقط، بل كانوا يودعون جزءاً من ذاكرتهم الشخصية وصوتاً رافق أعمارهم وتحولات حياتهم.
أتذكر هنا حواراً قديماً جمع بين الراحلين عمار الشريعي وحسن أبوالسعود، تحدثا فيه بعفوية شديدة عن هاني شاكر.
قال الشريعي: «هو هاني كده.
كلنا عندنا إحساس تجاهه إنه صوت جيلنا»، ثم أضاف جملته الأصدق: «حاجة كده تخصنا من جوانا».
لم تكن مجرد شهادة فنية، بل وصفاً دقيقاً لعلاقة المصريين والعرب بفنان أصبح جزءاً من وجدانهم الجمعي.
وختاماً، كنت قد أرجأت الكتابة حول هذا الموضوع، تقديراً واحتراماً لحرمة من توفي، رحمه الله، لكن وجدتني مضطراً للكتابة والرد، بعد أن اتسعت دائرة النبش في قبر فقيد مصر، والتي دخلها مع الشيخ وجدي آخرون، حيث تعددت الفيديوهات تبركاً بتريند صاحب «على الضحكاية».
الذي أظن أن روحه تراقب هذا المشهد العبثي بابتسامة ساخرة، بينما بقي صوته خالداً في وجدان الناس.
رحم الله هاني شاكر، وأسكنه فسيح جناته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك