يشهد القطاع الصناعي في المملكة العربية السعودية تحولًا استراتيجيًا عميقًا تقوده رؤية 2030، التي أعادت تعريف الصناعة من نشاط اقتصادي هامشي إلى ركيزة محورية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام.
وتنعكس طموحات هذا التحول في أرقام لافتة: رفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من 19% إلى أكثر من 50% بحلول 2035، ومضاعفة عدد المصانع من 11,000 إلى 36,000 مصنعًا، وتحقيق صادرات صناعية سنوية تتجاوز 557 مليار ريال.
وما يميز هذا المسار أنه لم يُبنَ على ركيزة واحدة، بل على منظومة متكاملة الأبعاد تتشابك فيها البنية التحتية والتمويل والتحول التقني وتطوير الكوادر البشرية.
انطلقت هذه المنظومة من الأرض؛ إذ تحوّلت المدن الصناعية السعودية من مساحات تقليدية إلى مجتمعات اقتصادية متكاملة تضم الخدمات اللوجستية والطاقة والنقل والاتصالات، فضلًا عن مناطق اقتصادية خاصة في رأس الخير وجازان وسلوى تُقدّم إعفاءات ضريبية تصل إلى خمسين عامًا.
ولم يقف الأمر عند توفير المكان، بل امتدت الجهود نحو تطوير ما يُنتَج داخله؛ حيث أسهم برنامج “مصانع المستقبل” في دفع أكثر من 700 منشأة صناعية نحو الأتمتة والرقمنة باستخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتوأمة الرقمية، محققًا لدى بعضها ارتفاعًا في الإنتاجية يتجاوز 30%.
وعلى صعيد التمويل، ضخّ صندوق التنمية الصناعي أكثر من 145 مليار ريال في صورة قروض ميسرة، مدعومًا بمنح غير مستردة لدعم البحث التطبيقي، وحوافز تصل إلى 30% من تكلفة المشروع، ومبادرة “المصانع الواعدة” التي أتاحت التمويل لأكثر من 300 منشأة صغيرة ومتوسطة بضمانات مخففة.
وعلى المستوى التسويقي، عزّزت مبادرة “صنع في السعودية” هوية المنتج الوطني لدى المستهلك المحلي والمستورد الخارجي، فيما ربط برنامج “روابط” المصانعَ المحلية بالمشاريع العملاقة كأرامكو وسابك في عقود تجاوزت قيمتها 20 مليار ريال.
أما على صعيد الإنسان، فقد درّب برنامج “مسار واعد” أكثر من 15,000 شاب سعودي في مجالات التصنيع والتشغيل، في حين تقدّم أكاديمية الصناعة برامج متخصصة في التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي الصناعي، مما يُرسّخ قناعة راسخة بأن الصناعة الحقيقية لا تُبنى بالآلات وحدها، بل بالإنسان الذي يُديرها ويُطوّرها.
بيد أن ثمة تحديات جوهرية لا يمكن إغفالها.
فالبنية التحتية المتقدمة تتركز في الرياض والمنطقة الشرقية، بينما تبقى مناطق كنجران وحائل والجوف بحاجة إلى استثمار أوسع وأكثر توازنًا.
ويواجه صغار رواد الأعمال صعوبة في استيفاء متطلبات الضمانات للحصول على التمويل.
والأهم أن الإنفاق على البحث والتطوير لا يتجاوز 0.
5% من الناتج المحلي، في مقابل 4.
5% في كوريا الجنوبية، وهو فارق يعكس فجوة حقيقية في عمق التحول الصناعي.
فحين تُقارَن التجربة السعودية بنماذج ألمانيا التي بنت صناعتها على التعليم المهني الثنائي والشراكة مع الجامعات، وكوريا التي حوّلت حمايتها الأولية إلى منافسة عالمية مفتوحة، واليابان التي رسّخت ثقافة التحسين المستمر، يتبيّن أن المملكة لا تزال في مرحلة التمكين وأمامها مسافة نحو الابتكار الصناعي العميق.
والمضي قُدُمًا في هذا المسار يستلزم جملة من التحولات النوعية: في مقدمتها مضاعفة الاستثمار في البحث والتطوير عبر مراكز بحثية مشتركة بين الجامعات والمصانع الكبرى، وبناء نموذج تعليم مهني ثنائي يُقضى نصفه داخل بيئة الإنتاج الحقيقية لا داخل الفصول فحسب.
كما يستوجب توسيع الدعم جغرافيًا نحو المناطق الأقل نموًا لتحويل ميزة قربها من الموارد الطبيعية إلى صناعات تحويلية فاعلة، وإطلاق منصة بيانات صناعية وطنية مفتوحة تُتيح للمستثمرين والباحثين رصد الفرص غير المستغلة.
ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير مسرّعات متخصصة للشركات الصناعية الناشئة، وتمكين القطاع الخاص من المشاركة الفعلية في تصميم السياسات لا مجرد الاستفادة منها، واعتماد إطار تقييم دوري شفاف يقيس الأثر الحقيقي لكل برنامج دعم ويُعيد توجيه الموارد نحو الأدوات الأعلى أثرًا.
إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم منظومة صناعية لا تعاني من غياب الأدوات، بل تحتاج إلى إحكام توجيهها نحو الابتكار الذاتي والقيمة المضافة العالية.
والهدف الأبعد هو تجاوز مرحلة “صُنع في السعودية” إلى مرحلة “ابتُكر في السعودية”، حين تتحول المصانع من مجمّعة للتقنية إلى منتجة لها، وتُصبح التجربة الصناعية السعودية نموذجًا يُدرَّس في كتب الاقتصاد الدولي، بما يليق بمكانة المملكة وطموحاتها المستقبلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك