الفوز الساحق لحزب «الإصلاح» بقيادة نايجل فاراج في الانتخابات المحلية البريطانية لا يمكن قراءته كحدث انتخابي عابر، بل هو مؤشر على تحوُّل عميق في المزاج السياسي البريطاني، وربما بداية إعادة تشكيل النظام الحزبي التقليدي الذي حكم بريطانيا لعقود.
ما حدث يشبه إلى حد كبير الصعود الشعبوي الذي شهدته أوروبا وأمريكا خلال السنوات الأخيرة، لكنه هذه المرة يحدث داخل بريطانيا نفسها وبقوة غير مسبوقة.
الحزب حقق اختراقاً كبيراً بحصوله على أكثر من 1300 مقعد محلي والسيطرة على عدد كبير من المجالس، بينما تلقى كل من حزبي العمال والمحافظين ضربة قاسية.
هذا يعني أن قطاعاً واسعاً من البريطانيين لم يعد يرى في الحزبين التقليديين حلولاً حقيقية لأزمات الاقتصاد والهجرة وتكاليف المعيشة والخدمات العامة.
الناخب البريطاني، خصوصاً في المناطق الفقيرة أو الصناعية القديمة، بدأ يتحول نحو خطاب قومي شعبوي يعتبر أن النخب السياسية «فشلت» في حماية الهوية البريطانية والمستوى المعيشي.
الأهم أن هذا الفوز يعكس انهياراً تدريجياً لفكرة «الوسط السياسي» في بريطانيا.
لسنوات طويلة كانت بريطانيا مستقرة نسبياً بين يمين محافظ ويسار عمالي معتدل، لكن صعود «ريفورم» يعني أن الشارع أصبح أكثر غضباً وأكثر استعداداً لتجربة خطاب أكثر حدة وصدامية شبيه بترامب في أمريكا أو لوبان في فرنسا.
حتى الصحافة البريطانية بدأت تتحدث عن أن بريطانيا تدخل عصر «ما بعد الثنائية الحزبية».
اقتصادياً، هذا الفوز يعكس أزمة ثقة ضخمة.
فالحزب بنى شعبيته على فكرة أن بريطانيا بعد البريكست لم تحصل على المكاسب التي وُعد بها المواطنون، وأن الهجرة ما زالت مرتفعة، وأن الطبقة الوسطى تنهار.
لذلك يركز «ريفورم» على سياسات قومية اقتصادية أكثر تشدداً: خفض الهجرة، تقليل الاعتماد على سياسات المناخ المكلفة، مهاجمة الضرائب المرتفعة، والضغط لتقليص دور الدولة البيروقراطي.
هذه السياسات قد تدفع بريطانيا مستقبلاً إلى مزيد من الانغلاق الاقتصادي والابتعاد النسبي عن النموذج الأوروبي الليبرالي التقليدي.
لكن في المقابل، من وجهة نظري، هناك جانب خطير لهذا الصعود.
فالحزب متهم باستمرار بأنه يجذب تيارات يمينية متطرفة أو شخصيات مثيرة للجدل، وبعض مرشحيه تعرَّضوا لاتهامات بالعنصرية أو بخطابات معادية للمهاجرين.
وهذا يثير مخاوف من تصاعد الاستقطاب الداخلي والانقسام المجتمعي، خصوصاً ضد المسلمين والمهاجرين.
أما على مستوى السياسة الخارجية فالأمر أكثر تعقيداً.
بريطانيا تاريخياً مرتبطة بالولايات المتحدة وبالمؤسسة الغربية التقليدية، لكن «ريفورم» يمثل تياراً «انعزالياً قومياً» نسبياً.
الحزب يفضّل التركيز على الداخل البريطاني وتقليل الانخراط في الملفات الخارجية المكلفة، لكنه في الوقت نفسه شديد القرب من التيارات اليمينية الغربية المؤيدة للكيان الصهيوني.
لهذا فإن صعوده قد يعني مستقبلاً سياسة أكثر تشدداً تجاه الهجرة واللاجئين، وأقل تعاطفاً مع الخطاب العربي التقليدي.
في قضية فلسطين تحديداً، الصورة حساسة جداً.
نايجل فاراج نفسه معروف بمواقفه المؤيدة للكيان وبقربه من التيارات اليمينية الغربية التي ترى الصراع من منظور «الحرب على التطرف» لا «مقاومة احتلال».
وهناك تقارير تحدثت عن تعمق علاقات الحزب مع دوائر داعمة لإسرائيل داخل بريطانيا وخارجها.
هذا لا يعني أن بريطانيا ستتحول فجأة ضد الفلسطينيين بالكامل، لأن المجتمع البريطاني نفسه تغير بعد حرب غزة، وظهرت موجة تعاطف شعبية ضخمة مع الفلسطينيين، خصوصاً بين الشباب والمسلمين واليسار البريطاني.
لكن صعود «ريفورم» يعني أن هناك أيضاً تياراً مضاداً يتصاعد بقوة ويرى أن الهجرة والتعددية الثقافية والسياسات المؤيدة لفلسطين تهدد «الهوية البريطانية».
لذلك قد تدخل بريطانيا خلال السنوات المقبلة في صدام ثقافي وسياسي داخلي كبير حول فلسطين والهجرة والإسلام السياسي.
أما بالنسبة للعرب في بريطانيا، فهناك احتمالان متناقضان.
الأول سلبي، ويتمثل في احتمال تشديد قوانين الهجرة واللجوء وتصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين، خصوصاً إذا استمر «ريفورم» في الصعود ووصل إلى شراكة مع المحافظين مستقبلاً.
هذا قد يجعل المناخ السياسي والاجتماعي أكثر صعوبة على العرب والمسلمين.
أما الاحتمال الثاني فهو أن هذا الصعود قد يدفع الجاليات العربية والمسلمة إلى تنظيم نفسها سياسياً بشكل أقوى.
بالفعل بدأت تظهر حركات ومرشحون مستقلون يعتمدون على أصوات المسلمين الغاضبين من موقف حزب العمال من غزة.
أي أن صعود اليمين قد يقابله أيضاً صعود سياسي عربي/مسلم مضاد داخل المدن الكبرى.
الأخطر استراتيجياً أن ما يحدث ليس مجرد «موجة احتجاج»، بل ربما بداية إعادة تشكيل كاملة للخريطة البريطانية قبل الانتخابات العامة المقبلة.
إذا استمر «ريفورم» بهذا الزخم، فقد يتحول من حزب احتجاج إلى حزب حكم حقيقي، خصوصاً إذا انهار المحافظون أكثر أو اضطروا للتحالف معه.
وهنا ستصبح بريطانيا أقرب إلى النموذج اليميني الشعبوي الذي نراه في بعض الدول الأوروبية، مع خطاب قومي أكثر حدة، وتشدد أكبر تجاه الهجرة، وتقارب أكبر مع اليمين الأمريكي والصهيوني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك