هي عمليّة تعرّف أجريها على الكتاب ما إن أصل به إلى البيت.
أنزع غلاف النايلون الرقيق الذي يغلّفه، وأفرد الصفحات بحركة سريعة تشبه دوران المروحة، متيحاً لها أن تتنفّس.
ثم أتجه إلى تبيّن كم عدد تلك الصفحات البيضاء في أوّل الكتاب، وذلك من أجل أن أضيفها إلىجمعهأجمعه المساحات البيضاء التي تنتهي عندها أواخر الفصول، تلك التي تتراوح عادة بين الصفحة الواحدة والصفحتين.
ثم، لمزيد من المعرفة بالكتاب، أروح أفتّش عن كمّية البياض بين مقطع وآخر لأرى إن كانت متسعة كما أنتظر.
تلك، بمجملها، عملية تعرّف حسابية أجريها لأعرف كم من الصفحات المئتين، مثلاً، أنا معفى من قراءتها.
لا أعرف إن كان قولي إن القراءة باعثة على الضجر يجب أن يرفق بتوضيح أو اعتذار.
ذاك لأن القرّاء، ومن ضمنهم الكتّاب أنفسهم، يرفعون الكتب والمكتبات إلى مراتب سامية.
صحيح أن هؤلاء ذكروا كيف أن القراءة تبعث على الملل، لكنهم أرفقوا ذلك بالقول إنهم يقصدون القراءة المتواصلة، أو قراءة ما لا يستحقّ أن يُقرأ: حتى الجاحظ نفسه الذي قضى تحت الكتب كان قد قال، على ذمّة الذكاء الاصطناعي، أن للقارئ حدوداً في الاحتمال.
وقد أضاف القارئ الأسطوري خورخي لويس بورخيس، بعد نحو ألف سنة من الجاحظ، أنه هجر كتباً كثيرة لأنه لم يجد فيها متعة، ملقياً باللائمة هذه المرة على الكتاب السيئ، لا على قدرته قارئاً على الاحتمال.
وقد حذا حذو بورخيس هذا كل الكتّاب المعروفين بإقبالهم النهم على القراءة، مجمعين على أن ذلك يرجع إلى سوء الكتاب.
وحده، كما أذكر، قلب الطاولة على القراءة بمجملها حين قال: بيني، وبين الباب، أقلام، ومحبرة/ صدىً متأفّف/ كوم من الورق العتيق/ همّ الخروج.
وخطوة/ أفخطوتان/ إلى يقين الباب/ ثم إلى الطريق».
هذا ما لم يقله الآخرون ممن سئلوا إن كانوا شديدي الإقبال على القراءة.
الكثير من هؤلاء أبدى عن مراوغة خوف اتهامه بالانحياز إلى الجهل.
حتى قارئ مبدع مثل رولان بارت قال إنه يشتّ عما يقرأ في لحظة ما يدهشه شيء قرأه، ولم يقل إن ما أوقفه عن القراءة تذكّره لمشهد امرأة كانت، بخيلاء، تقطع الشارع على مقربة منه، أو أن شيئاً خطر له عن دعوة إلى الغداء مع كاتب صديق.
القراءة كانت على الدوام محاطة بذلك الطقس الاحتفالي-الصوفي، وما تزال.
المكتبة الجامعية التي كنا نقصدها للقراءة كانت مكاناً للتوحّد وممارسة القراءة كطقس.
لا ينبغي لأحد أن يكلّم أحداً هناك، وإلا سيظهر، على الفور، من يدقّ على طاولته بقلم، أو ينبس لمن طلع صوته مسموعاً، بأننا سمعناك جميعاً نحن الذين نقرأ الآن.
أو قد يصل الاحتجاج حدّ أن يقول قارئ آخر: اذهب إلى الخارج إن كنت غير قادر على كتم ما تريد قوله.
أما أنا، بتأثير من شجاعة خليل حاوي، أعترف بأني، وأنا في المكتبة، كنت أنتظر أن تخرج كلمة من فم أحد لأركز على ما سيلي تلك الكلمة.
أو ألتفت إلى الجهة التي طلع منها صوت السعال الذي سيُخنق من فوره.
أيام كنا صغاراً كان يُطلب منا أن نترك كل ما يسلّي ويُفرح.
كان علينا أن ندرس لننجح، كانوا يقولون لنا، وهذا ما كنا نعرفه على أي حال.
لذلك، كنا نجد في طه حسين، الذي كان نصّه من بين الدروس المفروضة، حاظياً بما نرغب أن يُتاح لنا، وهو أن يقرأ لنا أحد يجلس على بعد خطوتين منا لنشعر بأن أحداً معنا في الغرفة.
كان طه حسين يستمع فيما يداه تنشغلان برمي رماد السيجارة في صحنها، أو برفع فنجان القهوة، محاذراً، إلى حيث شفتيه.
وإن سها عن الإصغاء لبرهة كان يقول لقارئه، بالعربية الفصحى: «ارجع إلى أول سطر من المقطع».
بعد انقضاء نصف الساعة الأول على القراءة نصير راغبين في القيام والانشغال بشيء أكثر ديناميكية من دوام التحديق بالكلمات والسطور.
وبعد انقضاء نصف ساعة أخرى نشعر كما لو أننا نصبّ ماء ساعين إلى ملء وعاء امتلأ أصلاً ولم يعد يتسع لشيء جديد.
ثم لن يكون أحد هناك لنحس بوجوده قربنا محفّزاً إيانا على ما اتّفق على توصيفه بإضاعة الوقت.
في صغري، أقصد أيام ما كان عليّ أن أنهي دروسي بمفردي، كنت أفكّر بأن طه حسين كان يتسلّى فيما هو يتثقّف، لأنه كان مُصاحَباً بأحد يقرأ له.
هكذا كانت تعلّمنا دروس القراءة، أن فاقدي النظر هم محظوظون لأنهم يصيرون عباقرة بأهون السبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك