بقلم: د.
ياسمين جمال (باحثة دكتوراة الاعلام التربوي بجامعة عين شمس)لم تعد مرحلة المراهقة اليوم تشبه ما كانت عليه قبل سنوات، فالمراهق لم يعد يعيش فقط داخل حدود الأسرة أو المدرسة أو دائرة الأصدقاء القريبة، بل أصبح جزءًا من عالم رقمي واسع ومفتوح، يتعرض فيه يوميًا لكم هائل من الصور والآراء والتعليقات والمعايير التي تؤثر بشكل مباشر على نظرته لنفسه وللآخرين.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح “القبول” واحدًا من أكثر الأمور التي تشغل المراهق نفسيًا واجتماعيًا، خاصة مع تصاعد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي والصورة الذاتية.
فالمراهق بطبيعته يمر بمرحلة يبحث فيها عن هويته، ويحاول فهم ذاته ومكانه بين الآخرين، وهي مرحلة تتسم بالحساسية والرغبة في الشعور بالتقدير والانتماء.
لكن مع وجود السوشيال ميديا، لم يعد هذا القبول مرتبطًا فقط بالعلاقات الواقعية، بل أصبح يقاس أحيانًا بعدد الإعجابات، أو التعليقات، أو المتابعين، وكأن القيمة الشخصية باتت مرتبطة بردود فعل الآخرين على الشاشة.
ومن ناحية أخرى، تخلق منصات التواصل بيئة مليئة بالمقارنات المستمرة، حيث يرى المراهق صورًا لحياة تبدو مثالية، وأشخاصًا يظهرون دائمًا في أفضل حالاتهم، وإنجازات يتم عرضها بشكل مبالغ فيه.
ومع التكرار، قد يشعر أن حياته أقل، أو أن شكله غير كافٍ، أو أن نجاحه لا يرقى لما يراه أمامه.
وهنا تبدأ رحلة البحث المستمر عن القبول، ليس فقط من الآخرين، بل أحيانًا من نفسه أيضًا.
كما أن بعض المراهقين قد يغيرون طريقة حديثهم أو ملابسهم أو اهتماماتهم فقط من أجل الاندماج مع ما يعتبره العالم الرقمي “مقبولًا” أو “رائجًا”.
ومع الوقت، قد يصبح الخوف من الرفض أو التجاهل أكبر من الرغبة في التعبير الحقيقي عن الذات، فيظهر المراهق بصورة مختلفة عن شخصيته الحقيقية، فقط حتى لا يشعر بالعزلة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تأثير المحتوى السريع وثقافة “الترند”، التي تجعل الاهتمام مؤقتًا وسريع التغير، وهو ما يدفع بعض المراهقين إلى السعي المستمر لجذب الانتباه، حتى لو كان ذلك على حساب راحتهم النفسية أو خصوصيتهم.
فالحاجة إلى الشعور بأنهم مرئيون أو مقبولون قد تدفع البعض إلى مشاركة تفاصيل شخصية، أو تقليد سلوكيات غير مناسبة، أو الدخول في تحديات خطرة فقط للحصول على التفاعل.
ايضا، فإن المشكلة لا تكمن في استخدام السوشيال ميديا في حد ذاته، بل في غياب التوازن والوعي أثناء استخدامها.
فهذه المنصات يمكن أن تكون مساحة للتعلم والتعبير والتواصل الإيجابي، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مصدر ضغط نفسي إذا أصبح تقييم الذات معتمدًا بالكامل على ما يحدث داخل العالم الرقمي.
وهنا، يبرز دور الأسرة بشكل كبير، لأن المراهق يحتاج إلى مساحة آمنة يشعر داخلها بالقبول الحقيقي، بعيدًا عن شروط الصورة المثالية أو المقارنات.
فحين يشعر الأبناء أن قيمتهم لا ترتبط بالشكل أو عدد المتابعين أو رأي الآخرين، يصبحون أكثر قدرة على التعامل مع السوشيال ميديا دون أن يفقدوا ثقتهم بأنفسهم.
كذلك، يحتاج المراهق إلى حوار هادئ لا يقوم على المنع أو الهجوم، بل على الفهم.
فبدلًا من التقليل من أهمية العالم الرقمي في نظره، يجب محاولة فهم تأثيره عليه، ومساعدته على التمييز بين الواقع والصورة المصنوعة على الإنترنت.
كما أن تعزيز الهوايات، والأنشطة الواقعية، والعلاقات الإنسانية الحقيقية، يساعد على بناء شعور صحي بالهوية والانتماء.
بالاضافة الي ان يتحمل الإعلام والمؤثرون مسؤولية كبيرة في تقديم صورة أكثر واقعية للحياة، بعيدًا عن المثالية المبالغ فيها التي تدفع كثيرًا من المراهقين للشعور بالنقص أو الضغط المستمر.
فكلما زادت الرسائل التي تربط النجاح أو الجمال أو القبول بمعايير محددة، زاد شعور الشباب بأن عليهم تغيير أنفسهم حتى يكونوا “مقبولين”.
لذا، يمكن القول إن المراهق في زمن السوشيال ميديا لا يبحث فقط عن الشهرة أو التفاعل، بل يبحث في العمق عن الشعور بأنه مهم، ومحبوب، ومرئي.
ولهذا، فإن مسؤوليتنا لا تكمن فقط في مراقبة استخدامه للتكنولوجيا، بل في مساعدته على بناء قيمة ذاتية حقيقية، لا تهتز مع تعليق سلبي، ولا ترتفع مع إعجاب عابر.
فأخطر ما قد يواجهه المراهق اليوم ليس قلة القبول من الآخرين…بل أن يفقد القدرة على تقبل نفسه وسط هذا الضجيج الرقمي المتواصل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك