قصتك تكفيها ثلاثون ثانية لتعرض في هذا العالم الرقمي، ومثلها لتنسى ويبدأ دور قصتي، وعلى هذا النحو تتوالى القصص والهفوات وحتى المآسي، في تدفق سريع لا يسمح بأكثر من لحظات قصيرة من التعاطف أو الغضب، قبل أن تستبدل بغيرها.
وهكذا ندور في الحلقة ذاتها، لا نعيش القصص بقدر ما نمر بها، ولا نتوقف عندها بقدر ما نبحث عما يليها.
تميل صناعة الخبر في هذا الفضاء، لدى أغلب المؤثرين، إلى صيد الأخطاء، فهي تعد أحد أهم الغنائم التي يحظون بها، مع قليل من الأحداث التي تشهدها الساحة المحليةاليوم، مهما كانت المشكلة أو حجم المعاناة، غالبا لن تحظى قصتك باهتمام واسع ما لم تتحول إلى" تريند".
هذه الكلمة السحرية كافية لأن تحول الأنظار نحوك، وتجمع تعاطفا عابرا يتلاشى بمجرد انتهاء الثلاثين ثانية.
فالسرعة التي تحكم الفضاء الرقمي تسللت إلى حياتنا، لدرجة أن ألمنا وهمومنا أصبحت محكومة بها، فإما أن تتقن قواعد اللعبة أو تنسى، حالك حال الكثيرين.
تراقب نجوم هذا الفضاء، أو ما يعرف بالمؤثرين، فتستوقفك عبارة من أحدهم أنه سارع لتصوير هذا الفيديو لأن الخبر الذي سيتحدث عنه أثار ضجة كبيرة، ولا مجال للتأخير وإلا سيفوته قطار المشاهدات.
وهو ما يستدعي السؤال عن مهمة الإعلام، لتتضارب الإجابات بين سعي الإنسان نحو المال، وضرورة الموازنة بين هذا السعي والحفاظ على جوهر العمل الصحفي، الذي يقوم في أساسه على إيصال أصوات غيبت عن المشهد.
في هذه اللعبة، لا تقاس قيمة القصة بعمقها، بل بمدى توافقها مع خوارزميات المنصات.
فما ينشر ليس بالضرورة ما يستحق أن يروى، بل ما تسمح به هذه الأنظمة الخفية بأن يظهر.
وهكذا تصبح القصص رهينة قواعد غير معلنة، تحدد من يرى ومن ينسى، ومن يستحق تلك الثواني ومن لم يحالفه الحظ بالحصول عليها.
صناعة الخبر في العالم الرقميتميل صناعة الخبر في هذا الفضاء، لدى أغلب المؤثرين، إلى صيد الأخطاء، فهي تعد أحد أهم الغنائم التي يحظون بها، مع قليل من الأحداث التي تشهدها الساحة المحلية.
وقد لا نختلف على أن الإعلام، بفضاءاته المختلفة، مهمته تسليط الضوء على الأخطاء والانتهاكات، وكل ما يمكن أن يوظف ضد الإنسان أولا وأخيرا.
لكن هذه السطحية في تناول المواضيع، وانعدام المعرفة لدى الكثيرين من جهة، ويقين المشاهد باللامبالاة والتصفيق البائس من جهة أخرى، يطرح تساؤلا واحدا: هل الخطأ في السرعة التي غلبت عصرنا، أم ذاك البرود الذي جعلنا نسأم الأوجاع ونبحث عن ضحكة عابرة، وإن كان أساسها مأساة؟قصصنا تستحق أن تروى، لكن لا نية لهذا الزمن أن يسمعنا طويلا.
فالسرعة التي تحكمنا اليوم لم تترك مساحة لتلك التفاصيل التي تصنع حدثا مهما لصاحبهاماذا عن القصص التي لم ترق لتصبح" تريند"؟تغيب شريحة كبيرة من الجمهور عن القصص التي لم تمر من أمام أحد المؤثرين، فقصتك مهما بلغت من الأهمية قد تكون أقل تأثيرا من خطأ ارتكبته أو تفوهت به.
وبذلك، فإن أي قصة لن تحظى بالسخط الإعلامي المطلوب ما لم يشاهدها أحد صناع المحتوى، ويلحظ فيها نفس التريند.
وفي هذه الفوضى تختبئ قصص حقيقية خلف أوهام بسيطة صنعت منها حكايات لفتت أنظار عدد كبير من المتابعين، كقصة البطريق التي تحولت إلى مادة يعاد تدويرها بكثافة على منصات التواصل، تضاف لها تفاصيل، وتبنى حولها مشاعر مصطنعة، حتى فقدت سياقها الحقيقي، وحظيت بحضور أفقد قصصا أخرى فرصتها في أن تروى.
هنا لا تكمن المشكلة في البطريق نفسه، بل فينا نحن، في الطريقة التي نختار بها ما يستحق أن نراه وما نسمح له أن يختفي.
قصصنا تستحق أن تروى، لكن لا نية لهذا الزمن أن يسمعنا طويلا.
فالسرعة التي تحكمنا اليوم لم تترك مساحة لتلك التفاصيل التي تصنع حدثا مهما لصاحبها، وربما للمتلقي لو منح كلاهما فرصة الكلام والإنصات.
في النهاية، من الصواب الاعتراف بأننا أصبحنا أسرى سرعة منحت كل شيء خطأ واحدا ولونا واحدا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك