بعيداً عن الجدلية الدينية التي ما إن تخفت حتى تعاود الانفجار حول كون النقاب فرضاً أو عادة، رغم الرأى الحاسم من الأزهر ودار الإفتاء أنه عادة وليس فرضاً.
تظل إشكالية البعد المجتمعى للنقاب حاضرة في العديد من الأحداث التي ارتبطت بإخفاء ملامح الوجه.
معظم المهن التي تتطلب التواصل مباشرة مع الآخرين تحديداً في مجالات الخدمة العامة أو مواقع مسئولية تفرض التعرف على ردود الفعل التي تعكسها ملامح الوجه، بالتالى الإخفاء هنا يلغى الشخصية ويعيق مشاركة المرأة الفعّالة في مختلف ميادين العمل.
في مجال التعليم، يفرض عامل التفاعل نفسه كوسيط بين الطلاب ومن يقمن بالتدريس لهم على اختلاف المراحل التعليمية، بداية من الطفل الذي يبحث عن لمحة التشجيع والتحفيز في مراحل التعليم الأولى أو مراجعة طبيعة الانطباع النفسى الذي سيتشكل داخل الطفل في دور الحضانة بوجود عاملات منتقبات لا يسعدن الطفل حتى بابتسامه.
يتطور بعد العلاقة في المراحل الجامعية إلى تفاعل ونقاش بين الطرفين حول التخصص الذي تحاضر الأستاذة الجامعية عنه.
تحديداً مع وجود تخصصات دقيقة تحتاج إلى تفاعل مباشر مثل الطب، مادة علم الصوتيات التي تدخل ضمن مواد التدريس في عدة جامعات.
يقف النقاب هنا حائلاً بين الطالب وأساتذته ليمنع الطرف الأخير من ممارسة أدوارهم في إثراء نزعة النقاش وتحرى البحث العلمى بعيداً عن آفة التلقين والحفظ لمجرد اجتياز الامتحانات بنجاح.
هي حقيقة علمية رغم كل دعاوى ربط العقيدة الدينية بقشور رجعية لا تنتمى إلى الثوابت، أو مزاعم عقيمة تتخفي خلف شعار براق هو حفظ المرأة وتشبيهها بالجواهر.
في الواقع المرأة ليست كتلة جماد لا روح لها هي كائن بشرى يختزن كل المشاعر والطبائع الإنسانية بما فيها الإيجابى والسلبى.
مهن أخرى كالطب والتمريض صدر بشأنها قرار من وزارة الصحة منذ عقدين ينص على توحيد زى عضوات هيئة التمريض المنتقبات وأن يكشفن عن وجوههن وأيديهن أثناء العمل في المستشفيات، ويشمل ذلك الطبيبات المقيمات وطالبات الامتياز.
لا أحد يدرى هل يتم فعلاً الالتزام بهذا القرار العلمى المهم الذي ينسجم مع استحالة كشف الطبيبة أو متابعة الممرضة للمريض وهي ترتدى نقاباً حفاظاً على مصلحة المريض بحكم تعارض النقاب مع المهام الوظيفية للعاملات بالقطاع الصحى التي تعتمد على أعمال خدمية مثل التمريض، الأشعات، التحاليل.
بالإضافة إلى تسبب النقاب في انتشار العدوى والأمراض، إذ لا توجد دولة في العالم تسمح للعاملين باختيار زى خاص بهم تحديداً في مهن لها علاقة بالعمل العام.
الشق النفسى أيضاً يدخل كعامل رئيسى.
كبار الأطباء أقروا أن جزءاً كبيراً من نجاح مراحل شفاء أى مريض يعتمد على عنصر الاطمئنان النفسى والثقة من جانب المريض تجاه الطبيب.
إذ يمثل رابط الارتياح عاملاً مهماً في مرحلة التعافى.
هي صلة طبعاً لا يمكن بناؤها مع طبيبة تخفي وجهها وهو أوضح وأسرع وسيلة نقل الاطمئنان للمريض.
المعضلة الأخطر تكمن في الخلط بين الجانب الدينى والأمنى.
هل تتخطى حدود الحرية الشخصية للتغاضى عما أصبح للأسف يُستخدم كوسيلة للتخفى.
لصوص يرتدون النقاب بهدف ممارسة السرقة ظناً أنه سيحميهم من كاميرات المراقبة، مجموعات إجرامية لخطف الأطفال تتخفي عضواتها أو أعضاؤها بالنقاب، التسلل إلى النوادى أو الأماكن التي تفرض اشتراكاً على أعضائها دون وجه حق، إلى آخر هذه الأمثلة.
الحديث عن الحريات الشخصية هو شارع ذو اتجاهين وليس واحداً فقط.
كما يُعطى الحق لمن تريد إخفاء معالم وجهها، من حق أى إنسان أن يعرف على الأقل من يقف أو تقف بجواره في أى مصلحة، مؤسسة، مستشفى، أو حتى في المواصلات العامة احتراماً لحريته في الشعور بالأمان.
هنا يبرز السؤال عن الأولوية بين مغالاة في زى لا تفرضه عقيدة دينية، وأمن المجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك