ثقافة المساءلة.
من البحث عن المخطئ إلى إصلاح النظامفي بيئات العمل المؤسسية، تُعد المساءلة من أهم أدوات ضبط الأداء، لكنها في كثير من الأحيان تُمارس بشكل يحدّ من فعاليتها.
فعند حدوث خلل أو تراجع في النتائج، يتجه التركيز مباشرة إلى تحديد المسؤول، بدلاً من فهم الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك.
وهنا تبدأ المشكلة، لأن هذا الأسلوب لا يعالج جذور الخلل، بل يكتفي بالتعامل مع نتائجه.
المساءلة الفعالة لا تعني البحث عن المخطئ بقدر ما تعني فهم النظام الذي أنتج الخطأ.
فالأداء داخل المؤسسات لا يتشكل فقط من جهود الأفراد، بل من وضوح الإجراءات، ودقة توزيع الأدوار، وكفاءة تدفق المعلومات، وآليات اتخاذ القرار.
وعندما يغيب هذا الفهم، تتكرر الأخطاء حتى مع تغيير الأشخاص.
في إحدى المؤسسات التي تقدم خدمات مباشرة للجمهور، تم إطلاق مبادرة لتقليل زمن إنجاز المعاملات بهدف تحسين تجربة المستفيد.
وبعد فترة، أظهرت المؤشرات تحسناً في سرعة الإنجاز، إلا أن عدد الشكاوى ارتفع بشكل ملحوظ.
في البداية، تم تفسير ذلك على أنه ضعف في أداء الموظفين أو عدم الالتزام بالإجراءات.
لكن عند مراجعة أعمق، تبيّن أن التركيز على سرعة الإنجاز جاء على حساب جودة التدقيق، مما أدى إلى زيادة الأخطاء وانعكس سلباً على تجربة المستفيد.
في هذه الحالة، لم يكن الخلل في أداء الأفراد، بل في تصميم المؤشر الذي ركّز على جانب واحد من الأداء دون موازنة بقية العناصر.
وفي مثال آخر من بيئة عمل مؤسسية، تعثّر مشروع تقني رغم توفر الدعم الإداري والموارد.
وتم في البداية تحميل فريق التنفيذ المسؤولية.
لكن عند تحليل مسار المشروع، اتضح أن الأدوار لم تكن محددة بوضوح، وأن أكثر من إدارة كانت تتداخل في اتخاذ القرار دون جهة مالكة واضحة.
كما أن متطلبات المشروع تغيّرت عدة مرات دون وجود آلية ضبط منهجية.
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى التعثر، وليس ضعف التنفيذ كما بدا في البداية.
مثل هذه الحالات تؤكد أن المساءلة لا يجب أن تُبنى على الانطباعات، بل على تحليل موضوعي للبيانات ولطريقة عمل النظام.
فحين يتم ربط النتائج مباشرة بالأفراد دون فهم السياق، تتشكل ثقافة دفاعية داخل المؤسسة، يتردد فيها الموظفون في طرح المشكلات مبكراً، خوفاً من اللوم أو المساءلة غير العادلة.
في المقابل، المؤسسات التي تنجح في ترسيخ ثقافة مساءلة ناضجة تتعامل مع المؤشرات كأدوات للفهم، لا كوسائل للمحاسبة فقط.
فهي تراجع النتائج بشكل دوري، وتناقش أسباب التباين، وتبحث عن فرص التحسين على مستوى العمليات، لا الأشخاص فقط.
كما تحرص على وضوح الأهداف، وربط كل مؤشر بجهة مسؤولة بشكل مباشر، بما يضمن عدالة التقييم ووضوح التوقعات.
كما أن المساءلة الفعالة ترتبط بوجود بيئة عمل تشجع على الشفافية.
فالإبلاغ المبكر عن التحديات يجب أن يُنظر إليه كتصرف مهني مسؤول، لا كمؤشر ضعف.
وعندما يشعر الموظف أن الهدف من المساءلة هو تحسين الأداء، وليس إلقاء اللوم، فإنه يصبح أكثر استعداداً للمشاركة في الحلول، لا الاكتفاء بالدفاع عن موقفه.
في النهاية، لا تُقاس قوة المساءلة بصرامتها، بل بقدرتها على تحسين الأداء ومنع تكرار الأخطاء.
فالمؤسسات التي تتقدم هي تلك التي تفهم أن كل خلل هو فرصة لفهم أعمق، وأن تطوير النظام أهم من البحث عن المخطئ.
ويبقى السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه كل جهة على نفسها: عندما يتراجع الأداء، هل نكتفي بتحديد المسؤول، أم نعمل على فهم النظام الذي أدى إلى هذه النتيجة وتصحيحه؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك