لم يعد مستغرباً أن تتفرغ القنوات الخاصة التونسية لبث إشهار بيع التجهيزات المنزلية والعسل وكل الأدوات الرخيصة المستوردة من الصين.
وانحصر البث الرسمي في ساعات قليلة في المساء يتم فيها غالباً بث مسلسلات قديمة مكررة أو أخرى تركية مدبلجة بشكل ركيك.
هكذا اختفت جلسات النقاش والحوارات المطولة واستضافة الوزراء والنواب ورؤساء الأحزاب التي كانت تجرى على قدم وساق طيلة العشرية الديمقراطية، وكان هذا أحد أكثر التحولات دراماتيكية في مسار الإعلام التونسي.
تراجع ترتيب تونس في مؤشر حرية الصحافة، بحسب منظمة صحافيون بلا حدود، إلى المرتبة 137 سنة 2026كان الإعلام التونسي زمن حكم زين العابدين بن علي يُدار على الطريقة السوفييتية حيث تخضع وسائل الإعلام الرسمية (تلفزيون وإذاعة وصحف) لخط تحريري صارم يديره أحد المقرّبين من الرئيس، أما وسائل الإعلام الخاصة فلا يحق لها الحديث في الشأن السياسي الداخلي وتكتفي بالأغاني والمسلسلات والمنوعات.
ومثّل سقوط النظام في 14 يناير/ كانون الثاني 2011 لحظة فارقة في المشهد الإعلامي حيث تضاعفت وسائل الإعلام وأصبح من السهل الحصول على ترخيص لإنشاء إذاعة أو صحيفة أو قناة تلفزيونية.
انغمس الجميع في حالة من فوضى التعبير وحرية الإعلام المفترضة وعوضاً عن تشجيع المشاركة السياسية والقيام بدور يدعم التحول الديمقراطي ويؤكد معنى المواطنة تحولت أجهزة الإعلام المختلفة إلى منبر للشتيمة ونشر الشائعات والتحريض المتبادل في سبيل زيادة نِسَب المشاهدة، مما انعكس سلباً على المشهد السياسي في البلاد وساهم في خلق جو متوتر بين الناشطين السياسيين، وبينهم وبين المواطنين ورسّخ في الأذهان فكرة عدم أهلية الشعب للديمقراطية وعجز القيادات الحزبية عن التحول إلى رجالات دولة حقيقيين واكتفائهم بدور أقرب إلى شخصيات" تيك توك" ومواقع التواصل التي تحاول شراء إعجاب الجمهور بدل صناعة الوعي وتطوير الفهم العام لمعنى المشاركة السياسية.
تكشف تجارب التحول الديمقراطي المختلفة أن التنظيم الفعال للإعلام والمعلومات يُمكن أن يُعزز الأداء السليم للنظام الديمقراطي الناشئ، وأن ثمة صلة وثيقة بين الحوكمة الرشيدة والتنظيم.
وسواء نظرنا إلى أميركا اللاتينية، أو أفريقيا، أو أوروبا الوسطى والشرقية، أو أي منطقة أخرى من العالم، فإن الدول التي خرجت مؤخراً من براثن الأنظمة الاستبدادية أو الشمولية قد أدركت بالفعل أن المجتمع السياسي الحر وقطاع الإعلام الحر لا يُمكن أن يوجدا بعضهما بمعزل عن بعض.
ويمكن تفسير هذه الصلة تجريبياً من خلال حقيقة أن التبادل الحر للأفكار والآراء والمعلومات هو وحده الكفيل بتأسيس نقاش عام راسخ وضمان عملية حوار وصنع قرار مفتوحة، وهي أمور أساسية لحسن سير الديمقراطية.
بعبارة أخرى، يُمكن اعتبار وسائل الإعلام، وتحديداً وسائل الإعلام السمعية والبصرية، أدوات للنقاش العام ومصادر للمعلومات، مما يُساعد المواطنين والقادة السياسيين على اتخاذ قرارات مستنيرة.
ويعتمد ظهور مجتمع شفاف، يضمن الحريات السياسية التي استُعيدت أو انتُزعت مؤخراً في بعض أنحاء العالم، إلى حد كبير، على المؤسسات المسؤولة عن تعزيز حرية التواصل وضمانها، في القطاعين الخاص والعام على حد سواء.
يمكن اعتبار هذه الوظيفة المهمة منوطة بكل من الهيئات التنظيمية الإعلامية والجمعيات المهنية، مثل النقابات، والتي يمكنها في الوقت نفسه محاسبة القادة السياسيين والجهات الفاعلة في مجال الإعلام.
غير أن التجربة الإعلامية التونسية فشلت في ترسيخ معنى المجتمع التعددي الحقيقي واستغلّت حالة الحريات غير المنضبطة لدفع الناس نحو نقيض الديمقراطية.
تحوّلت أجهزة الإعلام المختلفة إلى منبر للشتيمة ونشر الشائعات والتحريض المتبادل في سبيل زيادة نِسَب المشاهدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك