يخطئ مَن يظنُ أن عقارب الساعةِ تمضى في خط مستقيم لا يرتدّ، فالتاريخ في جوهره حلقات مفرغة، تعيد إنتاج نفسها بأسماء شتّى ووجوه متشابهة، وحين تتطابق «اللحظة النفسية» مع «العناد الفكرى»، تولد الفتن من رحم المتشابهات، فتغدو (حروراء) الكوفة في غابر الأزمان التى كانت اعتصاماً للخوارج، هى (رابعة) القاهرة في حاضر الأيام التى كانت أيضاً اعتصاماً للإخوان خوارج العصر الحديث.
ليست القصة هنا مجرد تشابه في مشاهد الاعتصام، بل هى وحدة (الجين الفكرى) الذي يحوّل الخلاف السياسى العارض، إلى عقيدة صلبة لا تقبل المراجعة، ويستبدل لغة العقل بضجيج الشعارات المقدّسة، ليقود الحشود في نهايات المطاف إلى حافة معركة «النهروان» التى لا عودة منها.
لم تكن (حروراء) في حقيقتها اعتصاماً سلمياً، فكل حشد يعمل على قطعِ شريان الدولة الحيوى، ويقطع الطريق، ويتمرّد على الأمن والسلم العام، هو في جوهره فعل تخريبى مكتمل الأركان، حتى إن توهم البعض خلوه من السلاح في بداياته.
ولست أتحدث هنا إلا عن (حروراء) تلك البقعة الرابضة على تخوم (الكوفة) عاصمة الخلافة يومئذ التى نستدعى صورتها اليوم ونحن نبحث في حقيقة مشهد اعتصام (رابعة) الحديث، لا لنخلط بين شخوص العصور أو وقائع الدهر، بل لنُبرهن على أن المسارات التاريخية تتطابق حتماً حين تتماثل اللحظة النفسية وتتّحد المرجعية الفكرية التى تقف وراء الصنيع.
في «حروراء»، خرج قومٌ على جيش على بن أبى طالب عليه السلام، بعد معركة صفين.
لم تكن تلك الحرب في جوهرها دينية، بل سياسية بامتياز، لكنّ الخارجين على «على» لم يروا في قبوله للتحكيم قراراً سياسياً، بل انكساراً لما توهموه «حكماً إلهياً» لا يُراجَع؛ فاستحالت الآراء السياسية لديهم ديناً، وقرارات الحكم عقيدة!بدأ خروجهم باحتجاج حاد، سرعان ما تحول إلى اعتصام منفصل، تشكل فيه وعى خاص ولغة استعلائية، وصار الخلاف «تأويلاً» للدين نفسه، ومنذ تلك اللحظة، صيغت المواقف في قالب «المقدس» الذي لا يقبل المراجعة، تحت شعار «في سبيل الله قمنا».
وفي زمن آخر، وعلى أرض مغايرة، اجتمع أنصار جماعة الإخوان في ميدان رابعة، احتجاجاً على مسار سياسى أطاح بمحمد مرسى، ورغم أن «مرسى» جاء ب«الصندوق»، إلا أن «الشارع»، وهو التعبير الواقعى والفعلى عن إرادة الجماهير، هو من قرر نزع الشرعية عنه، ولكن لم يصدق الإخوان أن هناك إرادة شعبية ترفضهم، فأصيبوا بمرض إنكار الواقع، فحولوا الصراع على السلطة إلى صراع عقائدى، فارتفعت لغة تستدعى الدين، لا بوصفه مرجعية أخلاقية، بل بوصفه حكماً فاصلاً بين «إسلام» و«كفر»، وتبع ذلك ظهور شعارات «الأيدى المتوضئة»، ومزاعم «نزول جبريل لنصرتنا»، و«النبى يُصلى معنا»؛ وهنا بدأت الحكاية القديمة تتكرّر، فحين يتديّن الخلاف، يضيق الأفق، ويستحيل التراجع، لأن الرجوع هنا لا يبدو تنازلاً سياسياً، بل خيانة للفكرة المقدسة.
في «حروراء»، كانت الشعارات تقطع ولا تصل، تقسم العالم إلى «نحن وهم»، و«حق واضح وباطل صريح»، واغتروا بكثرتهم التى تجاوزت عشرين ألفاً، يهتفون «الله أكبر» وينتظرون مَدداً غيبياً.
وفي «رابعة»، ظهرت ذات الغلالة القدسية التى تُغلف السياسة، وتحول الخلاف إلى «دفاع عن الله».
وفي الحالتين، انقاد الجمع بوعى أو بدونه خلف أصوات زعمت امتلاك الحقيقة المطلقة، فقادتهم إلى حافة لا عودة منها.
حاول الإمام على، وهو من هو في علمه وقرابته، أن يفتح باب الحوار، فأرسل «حبر الأمة» ابن عباس يجادلهم، والوسطاء يقولون لهم: «لا تشقوا عصا الطاعة».
فعاد بعضهم بالفعل نادمين، ومضت البقية في غيها حتى انتهى المشهد إلى معركة «النهروان».
لقد كفّروا علياً، واشترطوا لعودته أن «يعترف بكفره ثم ينطق بالشهادتين»! فلم يكن أمام الإمام إلا حربهم، رغم أنهم كانوا «قراء» زُهاداً يقيمون الليل، فأبادهم إلا قليلاً.
ومع ذلك، لم يصف التاريخ علياً ب«السفاح»، بل وصمهم هم ب«الخوارج» والتطرّف.
وفي «رابعة»، تجاوز الاعتصام كونه تعبيراً عن موقف، ليتحول إلى حالة تمرّد ميدانى، فظهرت السواتر والتحصينات، وشاهد العالم أنماطاً من التنظيم العسكرى، والأسلحة داخل الخيام في قلب منطقة سكنية مُكتظة، ورغم جهود الدولة لفض الاعتصام سلمياً إلا أن المفاوضات تكسّرت على صخرة العناد والشعور بأن النصر «بين أطراف الأصابع»، فكان لزاماً على الدولة تنفيذ القانون ب«القوة الجبرية».
ومن عجائب القدر أن «قانون الفض» هذا وضعه برلمان الإخوان أنفسهم إبان عام حكمهم لفض الاعتصامات المعارضة لهم، فاحترقوا بما شرّعوا.
وإذا كان التاريخ لا يُكرر نفسه حرفياً، فإنه يعيد إنتاج «منطقه الداخلى»، فيبدأ الخلاف رأياً، ثم يتحول إلى هوية، ثم ينتهى ديناً، وفي اللحظة التى يُنزع فيها عن السياسة طابعها «النسبى» لترتدى ثوب «المطلق»، تُغلق أبواب الحلول وتُفتح أبواب الصدام.
لم يكن اعتصام «حروراء» مجرد تجمع، ولا اعتصام «رابعة» مجرد ميدان، كلاهما كان «حالة ذهنية» تنشأ حين يتقدّم اليقين المغلق على العقل المفتوح، وبين القرون والمسافات، تظل اللحظة واحدة، هى تلك اللحظة التى يظن فيها طرف أنه يملك الحقيقة كاملة، وأن ما عداها يجب أن يُقصى.
عندها يبدأ التاريخ في إعادة نفسه، وإن استبدل الوجوه بوجوه، والأسماء بأسماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك