في باريس تعرفت على شي غريب لم أكن أنتبه له في العراق، اذ وجدت الناس هنا يذهبون إلى العمل حتى يشتغلون فعلا.
الجملة تبدو بسيطة لكن عندما تعيش داخل الجامعات والمكتبات والمكاتب تكتشف أن المسألة أوسع من انها وظيفة أو دوام رسمي بقدر ما تشعر أن هناك اتفاقا غير مكتوب بين الجميع، بأن هذا مكان للعمل وليس للاستعراض.
أحيانا أجلس في مكتبة أو في الجامعة وأراقب الناس واجد ان المرأة تدخل بملابس عادية جدا، لا مكياج ثقيل، ولا عطر يملأ القاعة و لا مبالغة في اللبس والرجل أيضا، وكأن الجميع يحاول أن يكون هادئا داخل المؤسسة، ليس لأنهم لا يحبون الجمال أو الأناقة لان باريس أصلا عاصمة الموضة، لكن هناك فرق بين أن تكون أنيقا وبين أن تحول المكتب أو الجامعة إلى منصة عرض.
هذه الصورة دائما ترجعني إلى العراق وأتذكر الوزارات والجامعات وحتى بعض المكاتب الصغيرة وأتذكر كيف كان الدوام أحيانا يشبه حفلة طويلة أكثر مما يشبه مؤسسة والرجال يتنافسون بالقمصان والعطور والساعات والسيارات وزرع الشعر والنساء يدخلن في سباق مرهق للمكياج والملابس والحقائب وعمليات التجميل وحتى الطالب الجامعي يشعر أنه داخل معركة نظرات وتسريحات شعر يومية؛ من يرتدي أفضل، ومن يبدو أجمل وأغنى ومن يلفت الانتباه أكثر.
شيئا فشيئا بدأت أفهم أن القضية لم تكون قضية ذوق فقط ما وجدته ان هناك مجتمعات عندما تضعف فيها قيمة الإنسان من الداخل يبدأ الجسد يتحول إلى مشروع إثبات دائم.
والإنسان الذي لا يشعر أن المجتمع يحترمه بسبب علمه أو عمله أو ثقافته يبدأ يبحث عن الاعتراف عبر الشكل والوجه يصبح وثيقة اجتماعية والملابس تتحول إلى لغة سلطة والعطر أحيانا يصبح محاولة للصراخ داخل مجتمع لا يسمع أحدا.
وفي العراق خصوصا بعد سنوات الانهيار الطويلة صار هناك جوع هائل للاعتراف الاجتماعي و الكل يريد أن يقول للآخرين؛ أنا موجود وأنا مهم وأنا أجمل، أنا أغنى، حتى الموظف البسيط يدخل إلى الدوام وكأنه داخل إلى استعراض يومي وأحيانا تشعر أن بعض المؤسسات لا تدار بالقوانين وانما بالنظرات والجميع يراقب الجميع و الجميع يقارن نفسه بالآخر والجميع خائف من أن يبدو عاديا.
والغريب أن أوروبا التي صنعت الموضة نفسها لا تعيش هذه الحالة داخل العمل والمرأة هنا قد تذهب إلى حفلة بأعلى درجات الأناقة لكنها في الجامعة تأتي بوجه هادئ جدا وكأنها تقول أنا هنا لأفكر لا لأُعرض نفسي والرجل أيضا و لا أحد يشعر أنه مطالب يوميا بإثبات قيمته عبر شكله ربما لأن المجتمع أصلا يعطيه قيمة من خلال عمله ومكانته القانونية وحياته المستقرة.
أما في مجتمعاتنا فالمؤسسة نفسها فقدت هيبتها منذ وقت، لهذا تحولت الجامعة إلى مكان للعلاقات الاجتماعية أكثر من كونها مكانا للدراسة وللمعرفة وتحول الدوام إلى مسرح نفسي كبير، والكل يريد أن ينجو من شعوره الداخلي بالنقص عبر صورة خارجية لامعة وحتى عمليات التجميل التي انفجرت بشكل مرعب لم تكون قضية جمال بقدر ماهي محاولة جماعية للهروب من القلق الاجتماعي.
وعندما أمشي في شوارع باريس وأشعر أن الناس هنا مرتاحون من هذا العبء ولا أحد يحاول طوال الوقت أن يكون ملفتا للنظر ولا أحد يعيش تحت ضغط النظرات المستمرة وهناك بساطة باردة لكنها مريحة، بينما في الشرق الأوسط تشعر أن الإنسان يعيش داخل كاميرا اجتماعية لا تنطفئ أبدا، لهذا عندما أرى امرأة فرنسية تدخل المكتبة بملابس بسيطة جدا ووجه طبيعي تماما أتذكر كم تعبت مجتمعاتنا وهي تحاول تحويل الإنسان إلى صورة بدل أن تتركه يعيش كإنسان طبيعي.
وأحيانا أفكر أن المشكلة في مجتمعاتنا لم تكون حب الجمال وانما الخوف من البساطة، فالإنسان الشرقي يخاف أن يبدو عاديا لان العادية عندنا تفهم وكأنها فشل اجتماعي.
ولهذا ترى الجميع يعيش حالة استعداد دائم للنظر إليه وحتى داخل الأماكن التي من المفترض أن تكون باردة ومحايدة مثل الجامعات والمكتبات والدوائر الحكومية و كأن كل شخص يحمل فوق جسده إعلانا مستمرا عن نفسه.
وأتذكر مرات في العراق كنت تدخل دائرة حكومية وتشعر أنك داخل إلى قاعة عرس صغيرة؛ عطور قوية وقمصان صارخة، وأحذية تلمع بشكل مبالغ فيه، ومكياج ثقيل منذ الصباح الباكر، والكل يراقب الكل بطريقة مرهقة، الموظف يراقب الموظفة، والموظفة تراقب الموظفة الأخرى، والطلاب والأساتذة في الجامعات يعيشون داخل نظام كامل من المقارنات اليومية، من الأجمل، من الأكثر حضورا، من يبدو من عائلة أغنى، من يرتدي ماركة أفضل.
وحتى طريقة المشي أحيانا تتحول إلى أداء اجتماعي.
الإنسان لا يمشي براحة؛ انه يتحرك داخل عرض مستمر، لهذا تتعب الروح بسرعة في هذه المجتمعات، لأن الإنسان لا يعيش فقط لكي يعمل أو يدرس فهو يعيش أيضا تحت ضغط التمثيل اليومي.
وفي باريس لاحظت شيئا مختلفا تماما، الناس هنا لا يريدون أن يستهلكوا طاقتهم في إثبات أنفسهم بصريا طوال الوقت، والموظف يدخل يحمل قهوته وملفاته وينشغل بحياته، والطالبة تدخل إلى الجامعة وكأنها ذاهبة إلى مختبر لا إلى منصة تصوير، وحتى النساء الجميلات جدا هنا لا يشعرن أن عليهن تحويل جمالهن إلى مشروع استعراض دائم و هناك ثقة داخلية هادئة وكأن المجتمع يقول للفرد أنت لست مضطرا كل يوم أن تقنع الآخرين بقيمتك.
ربما لهذا تبدو العلاقات هنا أبرد لكنها أقل إرهاقا وفي دول المشرق العلاقات مليئة بالتوتر البصري و كل شيء قائم على الانطباع الأول؛ الملابس، الموبايل، العطر، السيارة، قيمة الراتب، وعمليات التجميل وحتى طريقة الضحك والكلام.
لذلك نجد المجتمع يتحول إلى مسرح مراقبة جماعية، ولهذا ينمو القلق الاجتماعي بشكل هائل دون أن ينتبه أحد.
وأشعر أحيانا أن بعض الشباب في العراق أو في دول المشرق العربي لا يعيشون حياتهم الحقيقية أصلا.
فهم يعيشون داخل نسخة متخيلة عن أنفسهم يريدون عرضها أمام الآخرين، ولهذا أصبح الجسد مرهقا جدا في مجتمعاتنا؛ عمليات تجميل وحقن وفلاتر وتصوير يومي واستعراض مستمر، تجد ان الإنسان لم يعد يكتفي بأن يكون موجودا يلهث إلى ان يريد أن يكون مبهرا طوال الوقت.
والمفارقة المؤلمة أن هذا يحدث في مجتمعات تعاني اقتصاديا ونفسيا بشكل كبير وكأن المجتمع كلما اقترب من الانهيار زاد تعلقه بالمظاهر، لأن المظهر يصبح آخر شيء يستطيع الإنسان السيطرة عليه عندما يفقد السيطرة على بقية حياته، لهذا عندما أجلس في مكتبة بباريس وأرى عشرات الطلاب بملابس عادية جدا ووجوه طبيعية وصمت هادئ أشعر أن الحداثة الحقيقية لم تكون في التكنولوجيا ولا في الأبنية، وانما الحداثة الحقيقية ربما تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن تحويل نفسه إلى إعلان متنقل طوال الوقت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك