تفرقت الجماعات الإرهابية بين مئات الفرق، من القاعدة إلى داعش، ومن الإخوان إلى الجماعة الإسلامية، مروراً بالجهاد والشوقيين والتكفير والهجرة والفنية العسكرية.
هذا التفرق دفع الجمهور العادي غير المتخصص إلى السقوط في تيه لا نهاية له، أوصله أحياناً إلى تبرئة جماعة واتهام أخرى، فالبعض يرى في داعش أساس الإرهاب والإجرام، في حين يرون في جماعة الإخوان مجرد تنظيم ديني دعوي غير متصل بالتطرف المسلح، أو حتى التطرف الديني.
لكن هل تعلم أن داعش وفكرتها بدأتا منذ عهد المؤسس الأول حسن البنا؟قبل العودة إلى حسن البنا، سوف نذهب في رحلة زمنية قصيرة إلى عام 1965، وتحديداً إلى تنظيم سيد قطب في السجون المصرية؛ ففي تلك الفترة دخل عناصر التنظيم في سجال فكري حول تكفير المجتمع، وظهرت أسئلة لم تكن معروفة بين المصريين.
فالعناصر المسجونة رفضت الصلاة خلف الإمام في المسجد قبل التأكد: هل هو مؤمن أم كافر؟ وهو سؤال منطقي بالعودة إلى كتاب «معالم في الطريق» لمنظِّر الإرهاب الأول، الإخواني سيد قطب، عندما أسس لفكرة أن المجتمع يعيش في جاهلية تختلف عن جاهلية زمن الرسول، فالناس أيام الرسول كانوا كفاراً منذ البداية، أما الناس في زمن سيد قطب فهم مسلمون بالاسم، لكنهم يعيشون في جاهلية لأنهم لا يحكّمون شرع الله.
بالتالي، فالإسلام انقطع، والجميع في كفر حتى يثبت العكس!«قطب»، واضع الفكرة، ألقاها في قلوب أتباعه، وفي مقدمتهم رفيقه في الزنزانة ابن محافظة دمياط علي عبده إسماعيل، وأخوه تاجر الغلال عبدالفتاح إسماعيل.
ومن شباب الإخوان في السجن آمن بالفكرة شكري مصطفى، ونقلها إلى تلامذته: محمود عزت، ومحمد بديع، وصلاح عبدالحق، فالمجتمع يعيش في جاهلية، والإخوان هم جماعة المسلمين الوحيدة على الأرض التي ستعيد الإسلام إلى عهد الرسول!جملة «جماعة المسلمين الوحيدة على الأرض» وردت نصاً في كتاب «المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين» للسوري سعيد حوى، والذي يعتبره البعض سيد قطب السوري.
وقد أصدر هو الآخر تفسيراً للقرآن بالمنهج الحركي الإخواني، الذي يتعامل مع القرآن والسنة حسب أهواء التنظيمات الدينية المتطرفة، أسماه «الأساس في التفسير».
لاحقاً أُعدم «قطب» ورفيقاه عبدالفتاح وعلي إسماعيل، لكن الفكرة استمرت بعد خروج التلامذة من السجون.
غير أن التلامذة صاروا أساتذة في الإرهاب؛ فأسس شكري مصطفى جماعة التكفير والهجرة، وأسس عبدالمجيد الشاذلي وأحمد عبدالمجيد عبدالسميع دعوة أهل السنة والجماعة، وامتدت الأفكار حتى وصلت إلى نجيب عبدالفتاح إسماعيل الابن، منظّر جماعة التوقف والتبين.
وهكذا صار للفكرة جماعة تنادي بها.
وفي السجن تعرف «نجيب» إلى المهندس شوقي الشيخ، ابن قرية كحك بمحافظة الفيوم، ودرس على يديه فكر سيد قطب، ونظرية التوقف والتبين، وأن الناس مسلمون ظاهرياً لكنهم يعيشون في جاهلية، وأن الحاكمية ليست لله، مع العلم أن الدستور المصري ينص في مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وأن القانون المصري بالكامل مطابق للشريعة الإسلامية، وأن البرلمان المصري لا يصدر قانوناً يخالف الشريعة الإسلامية!عاد شوقي الشيخ إلى قريته في الفيوم، وأسس دعوة الشوقيين، وأقاموا مسجداً على أطراف القرية يصلون فيه بعيداً عن مساجد المسلمين «الجاهليين»، ثم تصاعدت الأمور، فاصطدم «الشيخ» بالدولة المصرية عندما أرسل خطاباً إلى الرئيس المصري محمد حسني مبارك جاء فيه: «من والي كحك إلى والي مصر، أسلم تسلم».
وكان خطاب «الشيخ» كفيلاً بتحرك الأجهزة الأمنية للقبض عليه، لكنهم وجدوا في قرية كحك العشرات من المسلحين المدربين في معسكرات القاعدة بأفغانستان وباكستان.
واندلع اشتباك استمر لساعات قبل أن يسقط «الشيخ» صريعاً.
انتقلت القيادة إلى شاكر نعم الله، وهو اسم حركي، مقرراً الاستمرار في دعوة شوقي الشيخ، والخروج بها بعيداً عن حدود قرية كحك في الفيوم.
وبعد عقدين من الزمان سقط في قبضة الأمن المصري عام 2015، لنعرفه باسمه الحقيقي حلمي هاشم.
واللافت في المسألة أن القضية المتهم فيها وصفته بأنه مفتي داعش، لنكتشف أن حلمي هاشم كان المفتي الذي أصدر جميع الفتاوى التي اعتمدها تنظيم داعش في عمليات القتل ضد المجتمع الجاهلي، ونصرة لمجتمع المسلمين الذي أسس له الإخواني سيد قطب.
وبالعودة إلى رسائل حسن البنا، التي صدرت قبل تلك التواريخ بعشرات السنين، سنجد أنه قسم الناس، من الإخوان إلى أربعة أصناف، وأن الأفضل بينهم، والرباني صاحب الدعوة، هو الصنف العضو في جماعة الإخوان؛ جماعة المسلمين الوحيدة على الأرض، كما يراها البنا وقطب وسعيد حوى ومفتي تنظيم داعش.
ومهما اختلفت المسميات أو المنطلقات، تظل جميع هذه الفرق ترى المصريين في جاهلية، لا يعرفون الله، ولا يطبقون شريعته، وأنهم لن يعودوا إلى الرشاد إلا بالانضمام إلى الجماعات المتطرفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك