من بين المواقف الإنسانية الكثيرة التي عشتها مع الطرب الراحل هاني شاكر، يبقى ذلك المساء واحدًا من أكثر الليالي التي كشفت لي عن تفاصيل شخصيته الحقيقية، بعيدًا عن الأضواء والمسرح والكاميرات.
ليلة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت مليئة بالدلالات التي جعلتني أزداد يقينًا أن هذا الرجل لم يكن نجمًا عاديًا، بل حالة إنسانية نادرة يصعب تكرارها.
أتذكر جيدًا يوم عيد ميلادي، حين قررنا الاحتفال في أحد المطاعم المطلة على نيل الزمالك.
كانت الأجواء هادئة ودافئة، والجلسة تضم عددًا قليلًا من المقربين، نحتفل بعيد الميلاد وسط الضحكات والذكريات والأحاديث الممتدة.
وفي ذلك اليوم، تصادف إقامة مباراة بين نادي الزمالك وغزل المحلة ضمن منافسات الدوري العام، في وقت كان فيه الزمالك يمر بفترة صعبة، يعاني فيها من تراجع النتائج وترتيب متأخر في جدول الدوري.
وبينما كنا مستغرقين في أجواء الاحتفال، نظر هاني شاكر إلى ساعته فجأة وقال لي بحماس واضح: “ماتش الزمالك هيبدأ… شغّل التلفزيون يا طارق”.
وكان هذا، تقريبًا، الخلاف الوحيد الدائم بيننا؛ فهو زملكاوي أصيل حتى النخاع، بينما كنت أنا أهلاويًا متعصبًا لا أفوّت فرصة للمزاح معه بسبب الكرة.
ضحكت يومها وقلت له مداعبًا: “يا عم سيبك… الماتش تحصيل حاصل، الزمالك آخر الدوري، والمهم دلوقتي عيد ميلادك”.
فنظر إليّ بابتسامته الهادئة وقال جملة لن أنساها أبدًا: “الزمالك هو الأهم في حياتي يا طارق”.
حاولت أن أستفزه أكثر كعادتي معه، فقلت ضاحكًا: “كده كده هيخسر، وهتنكد على نفسك ليلة عيد ميلادك”، لكنه أصرّ بنفس الحماس: “شغّل الماتش يا طارق”.
وبالفعل قمنا بتشغيل التلفزيون، ولم تمر دقائق حتى أحرز غزل المحلة الهدف الأول.
ورغم أن المباراة لم تكن ذات تأثير حقيقي على حسم الدوري، خاصة أن الأهلي كان قد اقترب بشدة من اللقب، فإنني فوجئت بحالة الحماس والانفعال التي عاشها هاني شاكر مع كل كرة وكأنه يشاهد نهائي بطولة عالم.
وفجأة تغيّر كل شيء.
سجل الزمالك هدف التعادل، فانطلقت ضحكات هاني شاكر في المكان بشكل عفوي طفولي، ضحكات صافية كانت كفيلة بأن تنقل البهجة لكل من حوله.
ثم أحرز الزمالك الهدف الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس، لتنتهي المباراة بنتيجة تاريخية وغير متوقعة 5-1، خاصة في ظل تراجع مستوى الفريق في تلك الفترة.
كان سعيدًا بشكل لا يوصف، يضحك كطفل صغير حقق حلمًا طال انتظاره، ثم التفت إليّ قائلًا بفرحة صادقة: “هي دي أكبر هدية لعيد ميلادي”.
فقلت له مازحًا: “ما تفرحش قوي كده… ده احنا دافعين علشان الزمالك يكسب”.
فضحك بصوته المعروف الذي يملأ المكان دفئًا، ثم قال جملة كشفت لي مرة أخرى معنى الانتماء الحقيقي: “أنا عارف ترتيب الزمالك كويس، وعارف إن الأهلي هيكسب الدوري… لكن أنا بحب الزمالك في كل الأحوال”.
بعدها بدأنا مراسم الاحتفال الحقيقي بعيد الميلاد، لكن ما حدث داخل المطعم كان لافتًا ومؤثرًا إلى حد كبير.
فقد فوجئت بأن جميع الموجودين بالمكان تقريبًا بدأوا يتوافدون عليه واحدًا تلو الآخر لإلقاء السلام والتقاط الصور التذكارية معه.
المشهد كان استثنائيًا بحق.
رجال، سيدات، شباب، وحتى أطفال… الجميع أراد أن يقترب من أمير الغناء العربي، والجميع كان يقابل منهم نفس الترحيب والبشاشة.
لم يرفض طلبًا واحدًا، ولم يُظهر أي ضيق أو ملل، بل كان يعانق الناس بمحبة حقيقية وكأنهم أصدقاء يعرفهم منذ سنوات طويلة.
واستمرت جلسة التصوير والسلام لأكثر من ساعة كاملة، بينما كانت “تورتة” عيد الميلاد لا تزال في مكانها تنتظر.
همست له أكثر من مرة: “عايزين نقطع التورتة”، مرة واثنتين وثلاثًا، لكنه كان دائم الانشغال بإرضاء الناس، وكأن سعادته الحقيقية تأتي من إسعاد من حوله، حتى لو كان ذلك على حساب راحته أو وقته الخاص.
لكن المشهد الأكثر تأثيرًا جاء أثناء مغادرتنا المطعم.
فبعد أن انتهى من التقاط الصور مع الضيوف، فوجئنا بالعاملين في المطعم جميعًا يقفون في صف طويل ينتظرون التصوير معه.
طهاة، عمال، أفراد الأمن، وعمال الخدمة… الجميع أراد صورة تذكارية مع هاني شاكر.
والمذهل أنه لم يتغير أبدًا.
ظل يبتسم بنفس الدفء، ويصافح الجميع واحدًا تلو الآخر، ويعانقهم بمحبة شديدة، وكأنه لا يشعر بتعب أو إرهاق.
وقتها بدأت أراقبه في صمت، وأسأل نفسي: من أين يأتي بكل هذا الصبر؟ وكيف يستطيع أن يمنح كل شخص هذا القدر من الاهتمام الصادق؟ المسافة بين طاولتنا وباب المطعم الخارجي لم تكن تتجاوز عشرين مترًا، لكننا قطعناها في أكثر من نصف ساعة، بسبب كثرة من كانوا يستوقفونه للسلام أو التصوير.
وكان يرد على الجميع بنفس الكلمتين اللتين لا تفارقان لسانه: “يا حبيبي… يا حبيبي”، ثم يودّع كل شخص بدعوة صادقة: “إن شاء الله ربنا يخليك”.
وقتها قلت له ضاحكًا وأنا أشعر بالإرهاق فعلًا: “أنا تعبت لك… يلا بينا بقى”.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت خارج المطعم.
فور وصولنا إلى السيارة، فوجئنا بعامل الجراج، أو “السايس”، وقد أحضر أسرته بالكامل؛ زوجته وأولاده، فقط من أجل السلام على هاني شاكر والتقاط الصور معه.
وبالفعل، وقف الفنان الكبير بكل تواضع يلتقط الصور معهم فردًا فردًا دون أي تبرم أو استعجال.
وحين استقللنا السيارة أخيرًا، نظرت إليه وقلت مبتسمًا: “أنا فعلًا تعبت لك”.
فرد عليّ بجملته التي لا تزال ترن في أذني حتى اليوم: “يا طارق… جبر الخواطر على الله”.
ضحكت وقتها وقلت له: “علشان كده أنا مش عايز أبقى مشهور”.
فانفجر ضاحكًا، تلك الضحكة التي كانت تملأ المكان حياة، فالتفتُّ سريعًا إلى السائق وقلت مازحًا: “يلا بسرعة قبل ما سكان الزمالك يسمعوا ضحكات هاني شاكر وييجوا يتصوروا معاه ونمشي الفجر! ”.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، أدركت حجم التوازن العظيم في شخصية هذا الرجل.
فهذا هو نفس الفنان الذي استقبله الملوك والرؤساء والأمراء في أكبر المحافل العربية، وهو نفسه الرجل الذي يقف بكل تواضع ومحبة ليلتقط الصور مع عمال مطعم أو “سايس” جراج دون أن يشعر أحدهم للحظة أنه أقل أهمية من غيره.
أي تواضع هذا؟ وأي عظمة واتزان إنساني كان يحمله هاني شاكر في داخله؟ لقد كان بحق فنانًا كبيرًا… لكن إنسانيته كانت أكبر من فنه بكثير.
ذلك الموقف لم يكن استثناءً في حياة هاني شاكر، بل كان يتكرر معنا في كل مكان تقريبًا نذهب إليه برفقته.
في كل رحلة، وفي كل لقاء، كان يضيف إلى صورته الإنسانية بُعدًا جديدًا، حتى أصبحت أشعر أنني كلما اقتربت منه أكثر، اكتشفت جانبًا آخر أكثر عمقًا ورقيًا في شخصيته.
ومع كثرة المواقف التي جمعتني به، يبقى هناك موقف مختلف تمامًا، موقف بسيط في تفاصيله، لكنه كشف لي حجم الانضباط والوعي الذي كان يعيشه هاني شاكر حتى في أكثر الأمور عفوية.
كنا يومها في مدينة المنصورة، حيث أقام عدد من محبيه ومحبّي فنه دعوة كبيرة تكريمًا له، في مكان مفتوح يعكس أصالة وكرم أهل الدقهلية المعروفين بحفاوتهم الشديدة بضيوفهم.
والحقيقة أنني فوجئت أصلًا بقبوله الدعوة، خاصة أن اليوم كان طويلًا ومرهقًا، لكن كعادته لم يكن يحب أن يرد دعوة فيها محبة صادقة من الناس.
وفي نهاية اليوم، وبعد ساعات طويلة من العمل والتنقل، كنا في غاية الجوع.
وفور وصولنا، فوجئنا بمأدبة ضخمة من الطعام المصري الأصيل، وكأن أهل المنصورة أرادوا أن يترجموا حبهم له بطريقتهم الخاصة.
كانت الموائد عامرة بكل ما تشتهيه النفس من أكلات الريف المصري القديم؛ حمام محشي، وبط، وأوز، وطيور بمختلف أنواعها، إلى جانب أصناف كثيرة أُعدّت بعناية شديدة كنوع من الحفاوة والتقدير لأمير الغناء العربي.
وبصراحة، ومن شدة الجوع، بدأت أتناول الطعام بشراهة واضحة دون أي تفكير، بينما كنت أجلس بجوار هاني شاكر مباشرة.
لكن وسط اندماجي في الطعام، لفت نظري أمر غريب؛ هاني شاكر بالكاد يلمس الطعام، يكتفي ببعض اللقيمات البسيطة على استحياء، وكأنه يجامل أصحاب الدعوة أكثر مما يأكل فعلًا.
تعجبت كثيرًا، خاصة أنني كنت أعلم جيدًا أنه جائع مثلنا تمامًا، فالتفت إليه وسألته مباشرة: “إنت ليه ما بتاكلش؟ ده البط والوز والحمام يفتحوا النفس… وإنت أصلًا جعان”.
ابتسم بهدوئه المعتاد وقال: “أنا باكل بعد الغدا”.
لم أقتنع بالإجابة، فأعدت سؤاله بصراحة أكبر: “إزاي يعني؟ إنت ما أكلتش تقريبًا، ولا حتى قربت من الأكل ده كله… معقول شبعت؟ ”.
فضحك وقال جملة كشفت لي الكثير عن شخصيته: “أكلت من السلطات… وما تنساش إن الكاميرات كلها علينا يا طارق، إزاي أقعد آكل بالشكل ده قدام الناس؟ الأكل ده مكانه البيت.
لو العزومة مقفولة كنت أكلت أكتر منك كمان”.
وقتها توقفت للحظة أتأمل كلامه.
رجل في قامة هاني شاكر، ورغم كل ما وصل إليه من شهرة ونجومية، كان لا يزال حريصًا على صورته أمام جمهوره في أدق التفاصيل.
لم يكن تصنعًا أو تكلفًا، بل كان احترامًا عميقًا للجمهور ولصورته التي حافظ عليها لعقود طويلة.
كان يدرك أن الفنان الحقيقي ليس فقط ما يقدمه على المسرح، بل أيضًا كيف يتصرف في حضوره اليومي أمام الناس.
وأعترف أنني يومها تعلمت درسًا مهمًا من هذا الموقف البسيط؛ تعلمت كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على هيبته ورقيه دون تكلف، وكيف يستطيع أن يوازن بين طبيعته الإنسانية وصورته العامة بهذا القدر من الذكاء والرقي.
ثم نعود مرة أخرى إلى الجانب الذي كان يمثل جزءًا أصيلًا من شخصية هاني شاكر، وهو عشقه الكبير لنادي الزمالكفكثيرون يعرفون أنه كان زملكاويًا حتى النخاع، لكن القليل فقط يعرف أن علاقته بالزمالك لم تكن مجرد علاقة مشجع بنادٍ يحبه، بل كانت علاقة أعمق بكثير.
فقد بدأ هاني شاكر حياته داخل صفوف ناشئي الزمالك لاعبًا صغيرًا، وهناك وُلد هذا الانتماء الذي تحول مع السنوات إلى عشق حقيقي يسري في دمه.
ولم يكن حبه للزمالك حبًا موسميًا مرتبطًا بالبطولات والانتصارات، بل كان حبًا صادقًا يظهر بقوة في أوقات الانكسار قبل لحظات الفرح.
ففي الفترات الصعبة التي مر بها النادي، كان دائم الدعم للفريق ولجماهيره، يتابع المباريات بحماس شديد، ويقف نفسيًا ومعنويًا خلف النادي وكأنه أحد أبنائه الحقيقيين.
وكانت هذه المحبة واضحة في أحاديثه الإعلامية وبرامجه وتصريحاته الصحفية، التي لم تخلُ يومًا من الدعم والتفاؤل والإخلاص للكيان الأبيض.
والأهم من ذلك أنه لم يكن يتحدث كمشجع عاطفي فقط، بل كإنسان يفهم كرة القدم جيدًا، بحكم أنه مارسها لاعبًا في شبابه، لذلك كانت تحليلاته للمباريات منطقية وواقعية، تحمل فهمًا حقيقيًا لتفاصيل اللعبة.
وكنت دائمًا أداعبه قائلًا: “أنا خايف منك يا هاني تمسك مدير فني للزمالك في يوم وتكسب الأهلي”.
فكان يرد كعادته بضحكاته التي تسبق أي إجابة.
لكن الأمر الذي كان يلفت انتباهي بشدة، أن حب الناس له تجاوز تمامًا حدود الانتماءات الرياضية.
فرغم تعصبه الجميل للزمالك، لم أجد يومًا داخل جماهير الأهلي أو بين لاعبيه أو مسؤوليه من يكره هاني شاكر أو يختلف على محبته.
كان الجميع يعشقه.
الأهلاوي قبل الزملكاوي، والجميع كان يرى فيه قيمة فنية وإنسانية أكبر بكثير من أي انتماء كروي.
وربما هذه كانت واحدة من أعظم الصفات التي امتلكها؛ أنه استطاع أن يكون محبوبًا من الجميع، وأن يجمع القلوب حوله مهما اختلفت الانتماءات والميول.
وهكذا ظل هاني شاكر حالة نادرة في الفن والحياة؛ فنانًا كبيرًا، وإنسانًا بسيطًا، ومحبًا حقيقيًا لكل ما ينتمي إليه، لكنه في الوقت نفسه كان قادرًا على أن يمنح محبته واحترامه للجميع دون استثناء.
وفي خضم كل النجاحات التي حققها هاني شاكر، وكل المعارك الإنسانية والفنية التي خاضها على مدار مشواره الطويل، جاءت مرحلة ربما كانت من أكثر المراحل استنزافًا له على المستوى النفسي والفكري؛ مرحلة شعر فيها أن الفن المصري الذي عاش عمره كله يدافع عنه، أصبح يواجه تحديات غير مسبوقة تهدد هويته وملامحه الأصيلة.
فحين تولّى مسؤولية نقابة المهن الموسيقية، لم يكن ينظر إلى المنصب باعتباره وجاهة اجتماعية أو مكسبًا شخصيًا، بل كان يتعامل معه كرسالة حقيقية ومسؤولية وطنية وثقافية.
كان يؤمن أن الموسيقى المصرية ليست مجرد أغانٍ تُقدَّم للجمهور، بل جزء أصيل من هوية مصر وقوتها الناعمة وريادتها التاريخية في العالم العربي.
وأتذكر جيدًا كم مرة جلسنا نتحدث في هذا الملف لساعات طويلة، وكم كان يحمل داخله حالة من القلق الحقيقي على مستقبل الأغنية المصرية.
كان يقول لي دائمًا بنبرة يملؤها الحنين والأمل: “مصر ولّادة بالمواهب يا طارق… أكيد لسه فيها أم كلثوم تانية وعبد الحليم تاني”.
لم تكن هذه الكلمات مجرد حنين إلى زمن الفن الجميل، بل كانت تعبيرًا عن إيمان عميق لديه بأن مصر لا يمكن أن تنضب فنيًا، وأن الأرض التي أنجبت عمالقة الغناء والطرب قادرة دائمًا على إنجاب أجيال جديدة تحمل نفس القيمة والموهبة، إذا وجدت من يبحث عنها ويحتضنها بالشكل الصحيح.
وكان يفكر طوال الوقت في الطرق التي يمكن من خلالها اكتشاف هذه المواهب وصناعة جيل جديد يعيد للأغنية المصرية مكانتها وهيبتها.
أحيانًا كان يقترح عمل بروتوكولات تعاون مع وزارة الثقافة، بحيث تنطلق لجان متخصصة إلى القرى والكفور والنجوع في محافظات الوجه البحري والصعيد، بحثًا عن الأصوات الحقيقية المدفونة بعيدًا عن الأضواء والإعلام.
وكان يقول بحماس شديد: إن الموهبة الحقيقية لا تعيش فقط في القاهرة أو داخل الاستوديوهات الكبرى، بل قد تكون موجودة في بيت بسيط داخل قرية نائية، تنتظر فقط من يكتشفها ويمنحها الفرصة.
وفي أوقات أخرى، كان يتحدث عن حلم آخر يشغله بشدة، وهو إعادة “حجرة الموسيقى” إلى المدارس المصرية، من خلال تعاون مع وزارة التربية والتعليم، مؤمنًا بأن الفن الحقيقي يبدأ من التربية والتعليم والثقافة، لا من الصدفة أو الشهرة السريعة.
كان يرى أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى تذوق الموسيقى الراقية منذ الصغر، وأن المدرسة يجب أن تلعب دورًا أساسيًا في اكتشاف المواهب وتنمية الحس الفني لدى الأطفال، حفاظًا على الهوية الموسيقية المصرية التي صنعت ريادة مصر لعقود طويلة.
لكن بينما كان يحمل هذه الأحلام والطموحات، ظهرت على الساحة موجة جديدة قلبت شكل المشهد الغنائي بالكامل، وهي موجة أغاني المهرجانات، التي اجتاحت الشارع المصري بسرعة كبيرة، وفرضت واقعًا فنيًا مختلفًا أثار بداخله كثيرًا من القلق والحيرة.
لم يكن رفض هاني شاكر لهذه الموجة نابعًا من موقف شخصي أو صراع أجيال كما حاول البعض تصويره، بل كان نابعًا من خوف حقيقي على الذوق العام وعلى شكل الأغنية المصرية ومستقبلها.
كان يرى أن الفن ليس مجرد إيقاع سريع أو كلمات تحقق انتشارًا لحظيًا، بل رسالة وقيمة ومسؤولية أخلاقية وثقافية.
ولهذا دخل في معارك كثيرة دفاعًا عما كان يراه “الفن الأصيل”، محاولًا بكل الطرق أن يحافظ على صورة الأغنية المصرية التي تربّت عليها أجيال كاملة.
واجه انتقادات وهجومًا واسعًا في أحيان كثيرة، لكنه لم يتراجع عن موقفه، لأنه كان مقتنعًا بأنه يدافع عن تاريخ طويل من الفن الراقي الذي صنع وجدان المصريين والعرب.
وكان هذا الملف تحديدًا يستهلك جزءًا كبيرًا من تفكيره ووقته، حتى إنني كنت أراه أحيانًا مهمومًا بالفعل، يشعر بثقل المسؤولية، وكأنه يخوض معركة أكبر من مجرد خلاف موسيقي.
كان يخشى أن تضيع ملامح الفن المصري الحقيقي وسط موجات سريعة من الشهرة والاستهلاك، وأن تفقد الأغنية المصرية مكانتها التي حافظت عليها لعقود باعتبارها قائدة الفن العربي.
ورغم كل ما تعرض له من هجوم أو سوء فهم خلال تلك الفترة، فإن ما كان يحركه في الأساس هو حبه العميق لمصر وخوفه على هويتها الفنية والثقافية.
فقد كان يرى أن الحفاظ على الفن الراقي ليس رفاهية، بل جزء من الحفاظ على الشخصية المصرية نفسها.
وهكذا ظل هاني شاكر، حتى في أصعب معاركه، يتحرك بدافع الحب والانتماء والإيمان الحقيقي بقيمة الفن، مؤمنًا بأن الأغنية يمكن أن تكون وسيلة لبناء الوعي والوجدان، لا مجرد وسيلة للترفيه العابر.
وخلال سنوات العمل التي جمعتني بـ هاني شاكر، خضنا معًا معارك كثيرة، بعضها كان مهنيًا، وبعضها الآخر وصل إلى ساحات القضاء، في ظل حالة من الجدل والصراعات.
لكن ما كان يميز هاني شاكر دائما، أنه لم يكن يبحث عن الانتصار لمجرد الانتصار، ولم يكن يحمل في قلبه رغبة في إيذاء أحد حتى مع من أساؤوا إليه أو تجاوزوا بحقّه.
ولم يكن أبدا.
فعل.
كان دائمأ رد فعل.
تحلى بالصبر.
وأتذكر جيدًا إحدى القضايا التي حصلنا فيها على حكم قضائي بالحبس لمدة عامين ضد أحد الأشخاص الذين تجاوزوا بشكل كبير في حقنا، دون الحاجة لذكر أسماء أو تفاصيل.
وقتها شعر كثيرون أن العدالة أخذت مجراها الطبيعي، وهى فعلا الحقيقهلكن المفاجأة التي لم تدهشني بقدر ما أكدت لي طبيعته الإنسانية، جاءت بعد صدور الحكم مباشرة.
فقد تلقى هاني اتصالًا هاتفيًا من والد الشخص المحكوم عليه، كان صوت الأم يحمل ألما وانكسارًا واضحين، وما إن أنهى المكالمة حتى تغيّر وجه هاني تمامًا.
لم يحتمل فكرة أن تعيش أم مأساة بسبب سجن ابنها، فالتفت فورًا إلى المحامي وقال بحسم: “نتنازل فورًا… أنا مسامح، ونظر الينا قائلا: وأنتم كمان لازم تسامحوا”.
كانت تلك اللحظة كاشفة جدًا بالنسبة لي.
رجل يملك الحق والقانون إلى جانبه، ومع ذلك يختار العفو لأن قلبه لا يحتمل وجع الآخرين.
وقتها أدركت أن التسامح عند هاني شاكر لم يكن مجرد كلمات تتقال أمام الناس، بل قيمة حقيقية يعيش بها ويتعامل من خلالها مع الحياة.
وبينما كنا نتصور أن الأمور بدأت تهدأ نسبيًا، فوجئت يومًا بالحديث عن إقامة مؤتمر صحفي بدى لي منذ اللحظة الأولى أنه يحمل نوايا غير مريحة.
كان هناك شخص يقف خلف الفكرة، وكنت أعرف جيدًا طبيعة مواقفه ونواياه لذلك شعرت بقلق شديد.
تواصلت مع الأستاذ هاني شاكر مباشرة، وقلت له بوضوح: “يا أستاذ هاني، بلاش المؤتمر ده… أنا مش مرتاح”.
لكنه أجابني بهدوئه المعتاد: “وعدت الناس يا طارق، وصعب أتراجع”.
لم أقتنع، وبدأت أبحث وأتقصى أكثر، حتى تأكدت أن هناك بالفعل فخًا يتم الإعداد له من أجل إحراجه أو إدخاله في صدامات جديدة.
وقتها دخلت معه في مكالمة طويلة حاولت فيها بكل الطرق إقناعه بعدم الحضور.
وبالفعل، بدا للحظات أنه اقتنع، لكن في النهاية غلبت عليه طبيعته التي لا يتراجع عن كلمة أعطاها لأحد، وقرر الحضور.
وكما توقعت، حدثت بعض المشادات والتوترات داخل المؤتمر، وخرج هاني شاكر بعدها مثقلًا بالحزن والاستياء، ثم فاجأني بقراره النهائي: الاستقالة من منصب نقيب المهن الموسيقية، وطلب منى إعلان ذلك رسميًا في الصحف ووسائل الإعلام.
حاولت معه كثيرًا وقتها حاولت إقناعه بالتراجع أو على الأقل التمهل في اتخاذ القرار، لكنه كان قد حسم أمره داخليًا.
ورغم كل محاولاتي، ظل متمسكًا بقراره حتى النهاية.
ورحل عن موقعه، لكنه لم يرحل أبدًا عن ذاكرة النقابة أو قلوب من عملوا معه.
فقد ترك بصمة حقيقية في تاريخ المهنة، وسيظل اسمه حاضرًا كواحد من أكثر النقباء حرصًا على الدفاع عن قيمة الفن وهيبة الموسيقى المصرية.
وبعد انتهاء حقبته، بدأت مرحلة جديدة بقيادة الفنان مصطفى كامل، الذي لم يكن غريبًا عن النقابة أو عن أزماتها، فقد سبق له أن تولى المسؤولية في ظروف شديدة الصعوبة، خاصة خلال فترة ما بعد ثورة يناير، حين كانت مؤسسات كثيرة في الدولة تمر بحالة من الارتباك والتحديات، واستطاع وقتها أن يعبر بالنقابة إلى بر الأمان وسط تلك الظروف الاستثنائية والاقتصادية الصعبة.
أما علاقتي بهاني شاكر، فلم تنقطع أبدًا بعد استقالته.
بل ربما ازدادت قربًا وإنسانية بعيدًا عن أجواء العمل والمناصب.
ظلت بيننا جسور كبيرة من الحب والثقة والود المتبادل، وكنت دائمًا على يقين من محبته الصادقة لي، كما كنت أنا أيضًا أزداد تعلقًا به يومًا بعد يوم، ليس فقط كفنان كبير، بل كإنسان نادر يصعب أن يتكرر.
وفي الوقت الذي كانت فيه نجوميته ومحبة الناس له تزداد أكثر وأكثر، جاءت الصدمة التي لم تكن تخطر على بال أحد.
فجأة، ودون مقدمات واضحة، دخل هاني شاكر أحد مستشفيات القاهرة في حالة صحية حرجة نتيجة نزيف حاد.
وقتها عاش كل من حوله حالة من القلق والخوف، بينما بذل الأطباء المصريون مجهودًا كبيرًا لإنقاذه، حتى إن ألاطباء الفرنسيين وصفوا حالته لاحقًا بأنها كانت من الحالات شديدة الصعوبة، وأثنوا على الفريق الطبى المصرى.
وتخرج الفريق الطبي المصري بالفعل في السيطرة على الأزمة، وتم إجراء جراحة دقيقة لاستئصال القولون وإيقاف النزيف، وأحاطته عناية إلهية به التى شعر بها كل من اقترب منه تلك اللحظات.
وبالفعل بدأت حالته تتحسن تدريجيًا، ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال برنامج غذاىى وتأهيل بدنى يشمل نظامًا غذائيًا وعلاجًا طبيعيًا، وكانت الأخبار القادمة عنه تبعث على التفاؤل والسعادة بين جمهوره ومحبيه في كل مكان.
وأعترف أنني وقتها كنت أعيش على أمل عودته.
كنت أستعد نفسيًا لاستقباله في المطار وسط جمهوره ومحبيه، وأحلم بأن أراه مرة أخرى يضحك ويغني ويقول عباراته المعتادة، وحشتنوتى كلكم وكنت أتخيل أن أسمعه يردد أغنيته المحببة “علي الضحكاية”.
لكن القدر كان يخبئ لنا النهاية الأصعب.
فبعد تحسن ملحوظ، تعرض لانتكاسة مفاجئة في الجهاز التنفسي، وبعد أيام قليلة فقط جاء الخبر الذي وقع علينا جميعا كالصاعقة: رحيل أمير الغناء العربي.
لا أستطيع وصف تلك اللحظة.
شعرت وكأن شيئًا كبيرًا انكسر داخل قلوبنا جميعًا.
لم يكن الخبر مجرد رحيل فنان، بل كان رحيل جزء من ذاكرة جيل كامل، ورحيل إنسان أحبه الجميع دون استثناء.
اهتز الوسط الفني والشعب المصري والعالم العربي كله لهذا الخبر، وتحولت الجنازة إلى مشهد مهيب يصعب وصفه.
نجوم كبار، موسيقيون، سياسيون، برلمانيون، إعلاميون، صحفيون، وجموع غفيرة من عامة الناس، كبارًا وصغارًا، الجميع جاء ليودع الرجل الذي عاش عمره يزرع المحبة في القلوب.
ووسط هذا المشهد المهيب، لم أجد كلمات أقولها سوى جملة واحدة كانت تختصر كل شيء: “من أحبّه الله… حبّب فيه خلقه”.
وقتها فقط رأيت بعيني حكمة الله وآية من آياته في رحيل هاني شاكر؛ ذلك الفنان الخلوق الذي رحل بعد معاناة قصيرة لم تتجاوز شهرًا ونصف الشهر، ليرحل محاطًا بحب الناس ودعواتهم، وكأن الله أراد أن يخفف عنه طول الألم الذي عاشه في حياته.
وتذكرت وقتها آخر كلماته التي قالها لنا يومًا وكأنه كان يودعنا دون أن نشعر.
قال بهدوء شديد: “أنا نفسي أرحل فجأة… علشان ما أتعبش اللي حواليا”.
لكنّه ترك خلفه حبًا لا يرحل، وصوتًا سيظل يعيش في قلوب الناس مهما مرّ الزمن.
وكان من أكثر الصفات التي ميّزت هاني شاكر، إلى جانب فنه وأخلاقه وتواضعه، وفاؤه الشديد لأصدقائه وحرصه الدائم على أداء الواجب الإنساني مهما كانت الظروف.
لم يكن من هؤلاء الذين يكتفون بالسؤال الهاتفي أو الرسائل البروتوكولية، بل كان يرى أن الوقوف بجوار الأصدقاء وقت الشدة واجب لا يمكن التهاون فيه، حتى وإن كلّفه ذلك تعبًا أو مجازفة أو مخالفة لظروف صعبة تمر بها البلاد.
وأتذكر جيدًا ما حدث في عام 2020، خلال أصعب فترات جائحة كورونا، حين كانت مصر، مثل بقية دول العالم، تعيش حالة من القلق والحذر الشديد.
كانت المستشفيات تحت ضغط هائل، وحظر التجوال مفروضًا، والتجمعات ممنوعة، والناس تخشى حتى الاقتراب من بعضها البعض خوفًا من العدوى.
في تلك الأيام العصيبة، مرّ الفنان الراحل سمير الإسكندراني بأزمة صحية شديدة استدعت دخوله مستشفى عين شمس التخصصي.
وكان سمير الإسكندراني بالنسبة لي صديقًا عزيزًا وصاحب مكانة خاصة، كما كان يحظى بمحبة واحترام كبيرين من هاني شاكر أيضًا.
وفور علمه بالأمر، كلّفني هاني شاكر بشكل رسمي بالذهاب إلى المستشفى للاطمئنان عليه، ومعرفة تفاصيل حالته الصحية، ومواعيد الزيارة المتاحة في ظل الإجراءات المشددة التي كانت مفروضة وقتها بسبب الجائحة.
وبالفعل، توجهت إلى المستشفى، وهناك التقيت بالفنان الكبير سمير الإسكندراني، الذي كان يمر بظروف صحية صعبة.
وخلال وجودي معه، تلقّيت اتصالًا هاتفيًا من هاني شاكر، الذي أصرّ على التحدث إليه بنفسه للاطمئنان عليه ورفع معنوياته، فكان الهاتف بمثابة جسر إنساني بين صديقين جمعتهما سنوات طويلة من الود والمحبة.
وبعد المكالمة، بدأنا نرتب لزيارة مباشرة يقوم بها هاني شاكر للاطمئنان عليه فور السماح بذلك.
وفي اليوم التالي، تلقيت اتصالًا من هاني شاكر قال لي فيه بحماس واضح: “اعمل حسابك بكرة… رايحين نزور سمير الإسكندراني”.
كان حريصًا على الذهاب بنفسه رغم ظروف كورونا والخوف الذي كان يسيطر على الجميع في ذلك الوقت، لأن هاني ببساطة لم يكن يعرف معنى التخلي عن الأصدقاء وقت المرض.
وفي صباح اليوم التالي، اتصلت به مبكرًا، فكان صوته هادئًا كعادته، وقال لي: “أنا جاهز… هتعدي عليّا إمتى؟ ”.
لكن في تلك اللحظة، كنت أحمل الخبر الأصعب.
لم أستطع التماسك، وقلت له بصوت اختلطت فيه الكلمات بالدموع: “البقاء لله… سمير الإسكندراني توفى”.
ساد الصمت للحظات، ثم سمعت بكاء هاني شاكر على الهاتف بشكل صادق ومؤلم، وقال بصوت مكسور: “كان نفسي أشوفه…”.
كانت لحظة قاسية جدًا عليه، فقد كان وفيًا لأصدقائه إلى درجة تجعله يتألم لفقدهم وكأنه يفقد جزءًا من عمره وذكرياته.
ورغم حالة الحزن، بدأ فورًا في ترتيب أمر الجنازة والعزاء، لكن المشكلة وقتها أن الدولة كانت قد أصدرت قرارات صارمة بمنع إقامة الجنازات والتجمعات الكبيرة بسبب ظروف جائحة كورونا وحظر التجوال.
ومع ذلك، لم يفكر لحظة في الغياب.
طلب مني أن أمرّ عليه في منزله لنذهب سويًا إلى الجنازة والدفن، وبالفعل اصطحبته بسيارتي، وكان الحزن يسيطر على الأجواء طوال الطريق.
وفي أثناء سيرنا، تلقى اتصالًا هاتفيًا من الفنانة نادية مصطفى، التي كانت قد علمت بخبر الوفاة لتوّها، فاتصلت به باكية ومتأثرة بشدة.
رد عليها هاني شاكر بصوت يملؤه الحزن قائلًا: “البقية في حياتك… إحنا في الطريق للجنازة”.
وكانت تبكي بحرقة واضحة، فما كان منه إلا أن طلب مني أن نمرّ عليها لترافقنا إلى مراسم الدفن، وبالفعل توجهنا إلى منزلها في المهندسين واصطحبناها معنا.
وفي تلك اللحظات، كنت أراقب هاني شاكر بصمت، وأشعر أن هذا الرجل لم يكن فقط فنانًا كبيرًا، بل إنسانًا يعرف جيدًا معنى الوفاء الحقيقي.
وصلنا إلى الجنازة، التي كانت مختلفة وقاسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فلا زحام، ولا تجمعات، ولا حضور كبير كما اعتادت جنازات النجوم، بسبب ظروف كورونا والإجراءات الاحترازية الصارمة.
غاب الكثيرون خوفًا من العدوى أو بسبب حظر التجوال، لكن هاني شاكر لم يتردد.
حضر الجنازة والدفن بكل الوفاء والمحبة، وكأنه كان يؤدي واجبًا إنسانيًا مقدسًا لا يمكن التخلي عنه مهما كانت الظروف.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، أدركت مرة أخرى أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تظهر في أوقات النجاح والأضواء، بل تظهر في لحظات الحزن والشدة، وهاني شاكر كان دائمًا حاضرًا في تلك اللحظات، بقلبه قبل حضوره، وبوفائه قبل شهرته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك