في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والتقلبات التي شهدتها الأسواق خلال السنوات الأخيرة، تتجه مصر إلى تعظيم دور سوق المال كأداة رئيسية لجذب الاستثمارات، خاصة من المصريين العاملين بالخارج، من خلال تفعيل برنامج الطروحات الحكومية وتوسيع قاعدة الملكية، ويُعد هذا التوجه نقلة نوعية في فلسفة إدارة الأصول العامة، حيث يتحول المواطن من مجرد مُدَّخر إلى شريك في التنمية.
وتُعتبر البورصة المصرية واحدة من أكثر الأدوات الاستثمارية جذباً للمصريين بالخارج، ليس فقط بسبب العوائد المحتملة، ولكن أيضاً نتيجة توافر عنصر الأمان النسبي مقارنة ببدائل أخرى، فهي سوق منظمة تخضع لرقابة الجهات المالية، وتتميز بتنوع الأدوات الاستثمارية بين قطاعات متعددة مثل البنوك والطاقة والصناعة، ما يتيح توزيع المخاطر، كما توفر سيولة مرتفعة تمكِّن المستثمر من الدخول والخروج بسهولة، على عكس الاستثمار العقاري الذي يتسم بالجمود، وإلى جانب ذلك، فإن الاستثمار في الأسهم يمثل أداة تحوُّط فعالة ضد انخفاض قيمة العملة، حيث تميل الأصول الحقيقية إلى الارتفاع في فترات التضخم.
بدوره، أوضح الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد الدولي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، لـ«الوطن»، أن الطروحات الحكومية تمثل فرصة غير مسبوقة للمصريين بالخارج للمشاركة في ملكية أصول الدولة، بدلاً من الاكتفاء بإيداع الأموال في البنوك، مضيفاً أن شراء أسهم في شركات مملوكة جزئياً للدولة يعني الحصول على نصيب من الأرباح السنوية، فضلاً عن الاستفادة من ارتفاع قيمة هذه الشركات مع الوقت، مشيراً إلى أن هذا التحول اللافت يعزز من مفهوم «الملكية الشعبية»، ويوفر ارتباطاً مباشراً بين المواطن والاقتصاد الوطني.
وأوضح «الإدريسي» أنه على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن استثمار المصريين بالخارج في البورصة يُعد مصدراً مهماً لتدفقات النقد الأجنبي، مما يُسهم في دعم الاحتياطي النقدي وتعزيز استقرار سعر الصرف، فعند قيام المستثمرين بتحويل أموالهم من الخارج لشراء الأسهم، فإن ذلك يزيد من المعروض من العملة الأجنبية، ويخفف الضغط على الجنيه المصري، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بعجز الميزان التجاري وخدمة الدين الخارجي.
فيما يتعلق بالآليات التقنية، شهدت البورصة تطوراً ملحوظاً يُسهِّل على المصريين بالخارج الاستثمار من أماكن إقامتهم، حيث أصبح بالإمكان فتح حسابات تداول عن بُعد، وربطها بحسابات بنكية دولية، وتنفيذ أوامر البيع والشراء إلكترونياً عبر منصات التداول الرقمية، كما تتيح بعض شركات السمسرة خدمات مخصصة لغير المقيمين، بما في ذلك الدعم الفني وتحليل الأسواق.
وعلى صعيد المكاسب الهيكلية، فإن طرح الشركات الحكومية في البورصة خلال عام 2026 يُتوقع أن يحقق نتائج أعمق مقارنة بالسنوات الماضية، خاصة مع تحسن بيئة الاستثمار ووضوح سعر الصرف، بحسب أستاذ الاقتصاد، فهذه الطروحات لا تهدف فقط إلى توفير سيولة مالية، بل تسعى إلى إعادة هيكلة الشركات، ورفع كفاءتها التشغيلية، وتعزيز دور القطاع الخاص، كما أنها تُسهم في تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وتوفير بدائل تمويل مستدامة.
ولفت «الإدريسي» إلى أن إدراج شركات جديدة في البورصة يُسهم بشكل مباشر في تعميق السوق وزيادة سيولته، حيث يؤدي إلى توسيع قاعدة الأوراق المالية المتاحة للتداول، وجذب شرائح جديدة من المستثمرين، خاصة الأفراد، فكلما زاد عدد الشركات المدرجة، زادت فرص التنويع، وتحسن مستوى التسعير، وارتفعت كفاءة السوق، لافتاً إلى أنه مع التوجه نحو جذب المستثمرين الأفراد، يصبح السوق أكثر ديناميكية وأقل اعتماداً على المؤسسات الكبرى فقط.
وأوضح «الإدريسي» أن أبرز الآثار الإيجابية للطروحات أيضاً تتمثل في تحسين الحوكمة وزيادة الشفافية، حيث تلتزم الشركات المدرجة بقواعد الإفصاح الدوري عن نتائجها المالية، وتخضع لرقابة المساهمين والجهات التنظيمية، وهذا يفرض قدراً أكبر من الانضباط الإداري، ويحد من الهدر وسوء الإدارة، ويُعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.
وأشار «الإدريسي» إلى أنه في سياق برنامج الإصلاح الاقتصادي والتعاون مع صندوق النقد الدولي خلال عام 2026، فإن الالتزام بتنفيذ جدول الطروحات يُعد عنصراً أساسياً في تعزيز مصداقية الدولة، ولضمان ذلك يجب اتخاذ خطوات عملية، تشمل تحديد جدول زمني واضح وملزم، وتسريع إجراءات التقييم والطرح، وتوفير بيئة تشريعية مستقرة، إلى جانب الترويج الجيد للطروحات في الأسواق الدولية، مشدداً على ضرورة الشفافية في الإعلان عن تفاصيل الطرح وآليات التسعير لجذب ثقة المستثمرين.
فيما قال الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد، إن الدولة تعمل على التوفيق بين احتياجات الموازنة العامة وتحديث وتطوير الإنتاج من خلال بيع جزء من أصولها أو طرح حصة للبيع لتوجيه ذلك نحو سداد جزء من مديونياتها، في ظل عجز في الموازنة العامة لا يزال كبيراً جداً ومن المتوقع أن يؤدي تراكمه إلى وصول حجم الدين لمبالغ ضخمة تتجاوز 10 تريليونات من الجنيهات.
استكمل «العمدة» أن تحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة يستهدف زيادة حصة القطاع الخاص إلى 65% من الاستثمارات، إلى جانب جزء من اشتراطات بيع الأصول، الذي يقضي بضرورة توسع المستثمر الاستراتيجي في نشاطه داخل حصته مع ضخ مزيد من الاستثمارات، على سبيل المثال إذا كان رأس مال الشركة مليار جنيه، فمن المفترض أن يبلغ نحو مليار ونصف بعد عامين من نشاطه داخل الشركة، مشيراً إلى أن الأصول والشركات المصرية تُباع بأسعار متدنية جداً داخل البورصة، وأقل بكثير من ثمنها العادل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك