مع بدء الدورة الصيفية للكنيست الإسرائيلي، التي تمتد من الأحد الماضي حتى 27 يوليو/تموز 2026، كانت تتزايد التوقعات بأن يقدم التحالف الحكومي على استخدام الأدوات البرلمانية، ولا سيما سنّ قوانين جديدة أو تعديل القوانين والأنظمة القائمة، بهدف هندسة انتخابات إسرائيل المقبلة المقررة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل، في محاولة للتأثير على نتائجها، قبل أن يقدم حزب الليكود، مساء الأربعاء، مشروع قانون لحل الكنيست والتوجه إلى انتخابات مبكرة.
وتخيّم على الانتخابات في إسرائيل لملء 120 مقعداً في البرلمان، الحروب التي تشنها تل أبيب في الشرق الأوسط، خصوصاً الحرب على إيران، وسط تساؤل عمّا إذا كانت ستعزز حظوظ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهويأتي ذلك في ظل نتائج استطلاعات الرأي العام التي باتت تمنح معسكر المعارضة تفوقاً ثابتاً يقترب، وإن بفارق ضئيل، من حسم انتخابات إسرائيل لصالحه.
فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي نُشرت نهاية الأسبوع الماضي (السبت والأحد) في القنوات الإسرائيلية المركزية، حصول معسكر المعارضة على نحو 59–60 مقعداً، من دون احتساب الأحزاب العربية (الفلسطينية)، وهي نتيجة باتت شبه ثابتة في استطلاعات الرأي خلال الأسابيع الأخيرة.
وتشير هذه النتائج إلى أن مغامرة نتنياهو في شنّ حرب جديدة على إيران (28 فبراير/ شباط الماضي)، بشراكة أميركية مباشرة وكاملة للمرة الأولى منذ قيام دولة إسرائيل (1948)، لم تنجح في تحقيق أهدافها السياسية والشخصية، ولم تُحسّن من موقعه الانتخابي كما كان يأمل.
كما أنها، لم تحقق الأهداف الأمنية والاستراتيجية التي كانت إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان إليها من خلال الحرب.
ويتكوّن التحالف الحكومي الحالي من حزب الليكود بقيادة نتنياهو، والحزبين المتطرفين" الصهيونية الدينية" بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتشو" عوتسما يهوديت" (القوة اليهودية) بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى جانب الحزبين الدينيين، " شاس" وتحالف" يهدوت هتوراة" (وهو تحالف بين حزبي ديغيل هتوراه وأغودات إسرائيل).
بالمقابل توصّل نفتالي بينت، رئيس حزب بينت 2026 (اليميني) ورئيس الحكومة الأسبق، ويئير لبيد، رئيس حزب يوجد مستقبل (علماني وسطي) وزعيم المعارضة الحالي، الشهر الماضي، إلى اتفاق يقضي بخوض انتخابات إسرائيل المقبلة تحت اسم تحالف" بياحد (معاً)، ضمن قائمة موحّدة برئاسة بينت، على أن يكون أيضاً مرشّحها لمنصب رئيس الحكومة.
ساهم شعور المجتمع الإسرائيلي بخيبة الأمل من الحرب في رفع حصة المعارضة الإسرائيلية بعدد محدود من المقاعدوقد ساهم شعور المجتمع الإسرائيلي بخيبة الأمل من الحرب، واستمرار حالة الاستنزاف على الجبهة اللبنانية، في رفع حصة المعارضة الإسرائيلية بعدد محدود من المقاعد، وكان ذلك كافياً لإحداث تغيير في ميزان القوى داخل المشهد السياسي، قبيل الانتخابات في إسرائيل.
فالهوة بين معسكر التحالف الحكومي الحالي والمعارضة لم تكن واسعة أصلاً.
وحتى اندلاع الحرب على إيران، كانت استطلاعات الرأي تمنح التحالف الحكومي نحو 52–53 مقعداً، مقابل قرابة 56–57 مقعداً للمعارضة، فيما تحصل الأحزاب العربية على نحو 10 مقاعد.
من جهة أخرى تمحورت المنافسة حول نقل عدد محدود من المقاعد من معسكر إلى آخر، في محاولة لحسم نتائج الانتخابات.
ويكفي معسكر المعارضة الحصول على 61 مقعداً في انتخابات إسرائيل المقبلة لكي يتمكن من تشكيل ائتلاف حكومي لا يعتمد على الأحزاب العربية، ويحظى بشرعية أوسع داخل الشارع الإسرائيلي.
في المقابل، يسعى التحالف الحكومي إلى ضمان نحو 55 مقعداً على الأقل، في محاولة لمنع المعارضة من تشكيل حكومة لا تستند إلى دعم حزب عربي.
في ظل هذه المعطيات والمعادلات، يبدو أن التحالف الحكومي أدرك أن تغيير مزاج الشارع الإسرائيلي، وبالتالي تغيير موازين القوى الانتخابية، ليس أمراً سهلاً أو واقعياً في المرحلة الحالية.
ومن هنا، قد يتجه إلى محاولة هندسة انتخابات إسرائيل المقبلة والتأثير على نتائجها عبر استخدام أدوات برلمانية خلال الدورة الأخيرة للكنيست الحالية، وذلك من خلال التأثير على سلوك الناخبين أو تقييد المنافسة الانتخابية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
هندسة انتخابات إسرائيل المقبلةمن بين الخطوات التي قد يُقدم عليها التحالف الحكومي، وفق أساف شابيرا، رئيس برنامج الإصلاحات السياسية في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، والذي نقلت عنه الصحافية نوعا شبيغل في صحيفة هآرتس يوم الثامن من مايو/أيار الحالي، تسريع تعديل" قانون أساس: الكنيست" بهدف وضع عراقيل إضافية أمام ترشح المرشحين العرب والأحزاب العربية في انتخابات إسرائيل.
ويهدف مشروع القانون، الذي اجتاز القراءة التمهيدية قبل نحو عام ونصف العام، ولا يزال قيد النقاش في لجنة الكنيست تمهيداً للقراءة الأولى (يحتاج أي مشروع قانون لثلاث قراءات بعد القراءة التمهيدية قبل إقراره)، إلى توسيع مبررات شطب الأحزاب أو المرشحين بصورة كبيرة.
وينصّ الاقتراح على منع أي شخص من الترشح للكنيست إذا عبّر عن دعم لـ" كفاح مسلح" ينفذه فرد ضد دولة إسرائيل أو ضد مواطنين إسرائيليين، في حين أن القانون الحالي يقتصر على حالات دعم كفاح تنظمه" منظمة إرهابية" أو" دولة معادية" ضد اسرائيل.
كما ينصّ الاقتراح على أن" تصريحات فردية" تُعتبر داعمة للإرهاب ستكون كافية لشطب مرشح أو قائمة انتخابية، بدلاً من الحاجة إلى وجود" كتلة حرجة" من التصريحات، كما هو معمول به حالياً.
ومن بين التعديلات المقترحة أيضاً، إتاحة شطب حزب يشارك في الانتخابات ضمن قائمة مشتركة تضم عدة أحزاب، في خطوة قد تمهّد لتسهيل شطب حزب عربي يخوض الانتخابات ضمن قائمة عربية مشتركة.
علماً أن القانون الحالي لا يتيح شطب حزب منفرد يكون جزءاً من قائمة مشتركة، إذ يقتصر الأمر حالياً على خيارين: إما شطب القائمة بأكملها أو عدم شطبها إطلاقاً.
كذلك قد يسعى التحالف الحكومي إلى سنّ ما بات يُعرف باسم" قانون بينيت" (العام الماضي، لعرقلة ترشحه)، الذي ينصّ على أن أي شخص ترأس حزباً تراكمت عليه ديون للدولة نتيجة الحملات الانتخابية ثم توقّف عن النشاط، سيكون ملزماً بتسديد هذه الديون قبل حصول حزبه الجديد على تمويل انتخابي.
ويبدو أن مشروع القانون صيغ بصورة خاصة بما يتلاءم مع حالة نفتالي بينت، وبدرجة أقل مع يئير غولان (حزب الديمقراطيين)، الأمر الذي قد يؤثر بصورة كبيرة على تمويل حملاتهما الانتخابية.
وقد حصل الاقتراح بالفعل على دعم اللجنة الوزارية لشؤون التشريع، لكنه لم يُطرح بعد للتصويت في القراءة التمهيدية.
ومن بين الوسائل الأخرى التي قد تؤثر بإدارة انتخابات إسرائيل إصدار تعليمات مؤقتة تتعلق بوضع صناديق اقتراع خاصة.
ففي جولتي انتخابات إسرائيل الأخيرتين (2021 و2022)، وُضعت صناديق اقتراع في دور السكن المخصصة لكبار السن، غير أن هذه الخطوة خدمت، على ما يبدو، أحزاب المعارضة بصورة أكبر، ولذلك من غير المتوقع تكرارها في الانتخابات المقبلة.
كما يبرز نقاش آخر يتعلق بإمكانية وضع صناديق اقتراع خاصة للمستوطنين نازحين من شمالي إسرائيل، بما يتيح لهم التصويت في أماكن إقامتهم المؤقتة.
وفي حال لم يصادق الكنيست على هذه الخطوة، فقد تنخفض نسب التصويت في صفوفهم، ما قد تكون له انعكاسات سياسية وانتخابية.
كما طُرحت على طاولة الكنيست مشاريع قوانين لخفض سن الاقتراع من 18 عاماً إلى 17 عاماً، ولخفض نسبة الحسم (منذ 2014 تبلغ النسبة 3.
25% من أصوات الناخبين، وهي النسبة المطلوبة لدخول حزب ما إلى الكنيست)، بما يتيح استخدام هذه المقترحات أو تجميدها وفقاً للمصالح السياسية والانتخابية للأحزاب المختلفة.
ومع ذلك، فإن احتمال المصادقة على تغييرات جوهرية من هذا النوع قبل الانتخابات المقبلة، فضلاً عن قدرتها على اجتياز اختبار المحكمة العليا، يُعدّ منخفضاً للغاية.
قد يسعى التحالف الحكومي إلى تسريع إقرار مشروع قانون" التحريض على الإرهاب"ومن بين مشاريع القوانين الإضافية التي قد يسعى التحالف الحكومي إلى تسريع إقرارها، مشروع قانون" التحريض على الإرهاب"، الذي قد يؤثر بصورة غير مباشرة في الانتخابات، من خلال منح الشرطة صلاحية التحقيق في شبهات التحريض من دون الحاجة إلى موافقة مسبقة من النيابة العامة.
وينصّ الاقتراح، الذي يدفع به وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، على خفض معيار الإثبات المطلوب لإدانة شخص بنشر أقوال تتضمن مدحاً أو دعماً أو تعاطفاً مع عمل" إرهابي".
فبدلاً من اشتراط وجود" إمكانية حقيقية" لأن يؤدي النشر إلى تنفيذ أعمال إرهابية، سيكون كافياً إثبات وجود" إمكانية معقولة".
كما يقترح القانون إضافة مخالفة جديدة تتعلق بنشر تعبيرات تُظهر التعاطف مع شخص قتل آخرين في" عملية إرهابية".
ولإثبات هذه المخالفة، لن تكون هناك حاجة إلى اختبار" الاحتمال المعقول"، بل يكفي إثبات أن النشر جرى" بهدف إظهار التعاطف مع الفعل".
وقد صادقت لجنة الدستور في الكنيست (في 2024) بالفعل على صيغة مشروع القانون تمهيداً لطرحه في القراءتين الثانية والثالثة في الهيئة العامة.
ويرى أساف شابيرا أن المخاوف لا تقتصر على المساس بحرية التعبير، بل تتزايد، خصوصاً خلال فترة الانتخابات، احتمالات فتح تحقيقات بتهم" التحريض" بهدف" إثبات" أن مرشحاً معيناً يدعم الإرهاب، ومن ثم استخدام ذلك ذريعة لشطبه ومنعه من خوض الانتخابات في إسرائيل.
التراجع عن سنّ قوانين شعبويةفي مقابل احتمال لجوء التحالف الحكومي إلى سنّ قوانين تهدف إلى التأثير في نتائج الانتخابات في إسرائيل والتحكم بها، شهدت الأيام الأخيرة تراجعاً من جانب الحكومة عن الدفع ببعض مشاريع القوانين التي قد تتسبب لها بضرر انتخابي.
ويبرز في هذا السياق احتمال التراجع عن سنّ قانون إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية خلال الدورة الصيفية الحالية للكنيست.
ويعود ذلك إلى أن إقرار مثل هذا القانون، الذي يواجه معارضة واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي، وخصوصاً بين الجنود ومن يخدمون في الجيش، قد ينعكس سلباً على التحالف الحكومي انتخابياً، حتى داخل قواعد اليمين نفسها، إذ يرفض جزء كبير منها استمرار هذا الإعفاء، ولا سيما في ظل الظروف الأمنية والحربية الحالية.
وجدد حزب" ديغيل هتوراه"، الثلاثاء الماضي، تهديده بإسقاط الحكومة والتوجه إلى انتخابات مبكرة، في أعقاب تلميح نتنياهو بتأجيل قانون التجنيد إلى ما بعد الانتخابات.
وقالت هيئة البث الإسرائيلية، في اليوم نفسه، إن" نتنياهو ومقربين منه نقلوا إلى الأحزاب الحريدية (الدينية المتشددة) رسالة مفادها أن تمرير قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية بصيغته الحالية غير ممكن في الوقت الراهن، مع اقتراح بحث تمريره بعد الانتخابات المقبلة".
وأضافت الهيئة أن" الأحزاب الحريدية تضغط لتقديم موعد الانتخابات إلى سبتمبر/ أيلول (المقبل)".
ويبدو أن التحالف الحكومي يتجه أيضاً إلى التراجع عن الدفع بمشروع قانون يقضي بتعويض الأسر المتضررة من ارتفاع الفوائد البنكية على قروض الإسكان، عبر تمويل جزء من هذه التعويضات من ميزانية الدولة.
وينصّ المقترح على أن تتحمّل وزارة المالية جزءاً من عبء الارتفاع في الأقساط الشهرية الناتج من الزيادة الكبيرة في أسعار الفائدة الأساسية خلال السنوات الأخيرة.
وترتكز الفكرة الأساسية للمقترح على تقديم المساعدة لمشتري الشقق الذين حصل معظمهم على قروض إسكان خلال فترة كانت فيها أسعار الفائدة منخفضة.
إلا أن الأقساط الشهرية ارتفعت بصورة حادة منذ عام 2022، وفي كثير من الحالات بآلاف الشواكل شهرياً (1 شيكل يساوي 0.
34 دولار أميركي)، ما فرض أعباء ثقيلة على العديد من الأسر.
ويُنظر إلى هذا الاقتراح على أنه خطوة شعبوية، بل ويصفه بعض المنتقدين بأنه أقرب إلى" رشوة انتخابية"، في ظل المعارضة الشديدة التي يواجهها من جانب بنك إسرائيل وكبار المسؤولين في وزارة المالية.
وبذلك، يتضح أن التحالف الحكومي لا يتردد في استخدام الأدوات البرلمانية التي تتيحها له الأغلبية داخل الكنيست (يملك الآن 68 مقعداً)، سواء للدفع بمشاريع قوانين معيّنة أو لتأجيلها، وكذلك لتعديل الأنظمة بما يتلاءم مع مصالحه الانتخابية والسياسية.
ويشير ذلك إلى أن مساعي تقييد" الديمقراطية الإجرائية" لم تعد تقتصر، وفق هذا المنظور، على التعامل مع المواطنين العرب (الفلسطينيين) فحسب، كما كان الحال منذ 1948، بل باتت تمتد أيضاً إلى المشهد الانتخابي داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، من خلال محاولات التأثير في قواعد المنافسة السياسية وإدارة العملية الانتخابية بما يخدم مصالح الائتلاف الحاكم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك