تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى استشهاد النبي إرميا، أحد كبار أنبياء العهد القديم، والذي ارتبط اسمه بالحزن النبوي على مصير أورشليم، وبالمراثي التي خلدت وجع المدينة وسبي شعبها.
وينتمي النبي إرميا، ابن حلقيا الكاهن، إلى بيت كهنوتي عريق، وقد دعاه الله للنبوة في سن مبكرة، فكانت رسالته استثنائية في توقيتها ومضمونها.
وقد ورد في سفره القول الإلهي: «قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدّستك.
جعلتك نبيًّا للشعوب» (إرميا 1: 5)، في إشارة إلى الاصطفاء الإلهي المبكر لمهمته.
عاصر إرميا فترة مضطربة من تاريخ مملكة يهوذا، في عهد الملك يوشيا بن آمون ثم يهوياقيم بن يوشيا، حيث انتشرت مظاهر الانحراف الديني والابتعاد عن عبادة الله، فكرس نبوته لتوبيخ بني إسرائيل على تركهم الوصايا ورفضهم الناموس، محذرا إياهم من عواقب هذا الابتعاد إن لم يعودوا إلى الطريق القويم.
ومع تصاعد القسوة في قلوب الشعب ورفضهم الاستجابة لصوته، اشتد حزن النبي، وارتفعت صلواته متوسلًا إلى الله أن يغفر لشعبه، إلا أن التحذيرات لم تلقَ آذانَا صاغية.
ووفق الرواية الكتابية، تحرك ملك بابل نبوخذ نصر الثاني ليحاصر أورشليم، وتمكن جيشه بقيادة القائد نبوزرادان من اقتحام المدينة بعد حصار طويل، حيث قُتل كثيرون داخلها، ونُهبت مقتنيات الهيكل وبيت الملك، وسُبي من تبقى من الشعب أحياء إلى بابل.
وكان النبي إرميا من بين المسبيين المقيدين، إلا أن نبوزرادان عندما رآه أطلق سراحه، تقديرًا لمكانته.
وبعد سقوط المدينة، جلس النبي شاهدًا على الخراب، فدوّن مراثيه الشهيرة التي صورت بدقة الألم الإنساني والروحي لسقوط أورشليم وسبي شعبها لمدة سبعين سنة في بابل.
لم تتوقف نبوات إرميا عند التحذير من الخراب، بل امتدت لتشمل البشارة بمجيء الرب المخلص وآلامه، إلى جانب العديد من النبوات التي شكلت جزءًا محوريًا في التراث النبوي.
وقد تميز أسلوبه بعمق إنساني فريد، حتى لُقب بـ«النبي الباكي» لما حملته كلماته من حزن صادق على مصير شعبه.
وتختتم سيرة إرميا باستشهاده خارج أورشليم، حيث تشير المرويات إلى أن بعض اليهود رجموه في أرض مصر، بعد أن رفض التوقف عن التوبيخ والتنبيه، فمات شهيدًا في السجن، متمسكًا برسالته حتى اللحظة الأخيرة.
وتؤكد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في هذه الذكرى أن سيرة النبي إرميا تظل نموذجًا للصوت النبوي الذي لم يساوم على الحق، وظل أمينًا لرسالته رغم الرفض والاضطهاد، لتبقى كلماته شاهدًا على زمن الانكسار، ورمزًا للرجاء الذي يولد من قلب الألم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك