يحسب كم بقي في العمر — وكم بقي في الكوتا — وأيهما سيسبق الآخر!ادّخر عمره كله لمقعد واحد.
أجّل ترميم البيت.
ألغى علاج أسنانه.
اقتطع من دوائه.
وكان يردد كل فجر وعمّان لا تزال نائمة:" يا رب… قبل أن تأخذني إليك — خذني إلى بيتك! "لكنها ليست رسالة اعتذار — هي إشعار بأن العمر بدأ يسبقه!في اللحظة ذاتها — كانت القوافل تتحرك.
المرافقون.
المنسّقون.
المشرفون.
ومنسّقو تنسيق المنسّقين!وجوه تصل إلى مكة قبل أن تجفّ حبر التكليف — لأن المنصب، خلافاً للمواطن، لا يقف في الطابور!في عام 2024، مات تسعة وتسعون أردنياً تحت شمس مكة!تسعة وتسعون اسماً.
وتسعة وتسعون بيتاً فُتح بابه للعزاء.
وتسعة وتسعون امرأةً كانت تنتظر — فاستقبلت تابوتاً!ذهبوا بتأشيرات سياحية وطرق التفافية وبلا حماية كافية.
الطريق النظامي بدا لكثيرين منهم أطول من أعمارهم!كم واحداً منهم كان يمكن أن ينجو — لو تنازل صاحب المنصب عن مقعد لا حق له فيه أصلاً؟ !لا جائزة لأكبر بعثة إدارية.
ولا كأس لأطول قائمة مرافقين.
ولا ميدالية لأكثر وزير أوقاف حجّ خلال ولايته!يوجد شيء أثقل من كل الجوائز:يوجد شيخ يقيس بقية عمره بالمواسم — لا بالسنين!إجماع الفقهاء منذ أربعة عشر قرناً!فكيف تتحول النافلة عند بعض أصحاب المناصب إلى رحلة سنوية متكررة — بينما تبقى الفريضة حلماً مؤجلاً عند من لم يرَ الكعبة مرة واحدة في حياته كلها؟ !أي أردني لم يحجّ بعد — هو أولى منك بهذا المقعد!هذه ليست وجهة نظر — هذا حكم الفريضة!ووجودك الشخصي في مكة ليس ضرورة تشغيلية للحج نفسه.
الحج لن يتعطل إن بقيتَ في عمّان!بضعة موظفين أكفاء يُنجزون ما تُنجزه الوفود الضخمة — وبأقل تكلفة، وبأكثر كفاءة، وبلا مقعد مسروق من شيخ ينتظر!الطبيب ضرورة.
والأمن ضرورة.
والمرشد ضرورة.
العالم كله يُدار اليوم عن بُعد.
مطارات.
بنوك.
قمم دولية.
حروب تُدار من غرف زجاجية على بُعد آلاف الأميال!بعض إداراتنا ما تزال تؤمن أن كل مهمة تحتاج وفداً — وكل وفد يحتاج مرافقاً — وكل مرافق يحتاج مشرفاً — وكل مشرف يحتاج منسّقاً لتنسيق إشرافه!أخطر ما يُصيب المؤسسات شيء أهدأ من الفساد وأعمق:حين يتحول المقعد — مع الزمن — من مسؤولية إلى حق مكتسب لا يجرؤ أحد على مراجعته.
حين يصبح الذهاب إلى مكة جزءاً من" طبيعة العمل" — كالسيارة الرسمية والهاتف المدفوع.
حين لا يرى أحد في هذا غرابة — لأن الامتياز حين يطول يصبح هواءً.
لكنه يملأ كل شيء — ولا يترك للآخرين ما يتنفسون!الحج أعظم تجربة مساواة عرفها الإنسان.
لا ألقاب.
لا مناصب.
لا صفوف خاصة أمام الله.
قطعتان من القماش الأبيض — تُعيد كل إنسان إلى حجمه الحقيقي قبل المنصب وبعده.
هذه القطعتان باتتا في متناول من لا يحتاجان إلى تذكير —بينما يقف من يحتاجهما أشد الحاجة خارج الباب — ينتظر رسالة لن تأتي!التاريخ لن يتذكر عدد الوفود.
ولا صور الاستقبال والتوديع.
ولا كم مرة حججتم باسم المنصب!التاريخ سيتذكر سؤالاً واحداً:لماذا كان الطريق إلى الله أطول من أعمار الفقراء — بينما كان أصحاب المناصب يختصرونه كل موسم؟ !الدولة التي يصبح فيها الطريق إلى الكعبة أطول من أعمار فقرائها —لا تحتاج خطبة جديدة عن العدالة.
ولا مؤتمراً.
ولا لجنة.
ولا بياناً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك