لم يكن الحديث عن الرسوم الجمركية أو التجارة أو تايوان وحده ما طغى على قمة بكين بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ، بل برز خلال اللقاء مفهوم تاريخي وسياسي قديم عاد بقوة إلى واجهة النقاش العالمي، بعدما حذر الرئيس الصيني من الوقوع في ما يُعرف بـ”فخ ثوسيديدس”، في إشارة إلى المخاطر التي قد تواجه العلاقات بين القوتين الأكبر في العالم.
وخلال استقبال ترامب في “قاعة الشعب الكبرى” بالعاصمة الصينية، طرح شي سؤالاً وصفه مراقبون بأنه يتجاوز حدود الملفات الثنائية التقليدية، ويتمحور حول ما إذا كانت الصين والولايات المتحدة قادرتين على تجنب المسار التاريخي الذي قاد في كثير من الأحيان إلى الصدام بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة.
وقال الرئيس الصيني إن “التاريخ والعالم وشعوبه يتساءلون عما إذا كان بإمكان البلدين تجاوز فخ ثوسيديدس وبناء نموذج جديد للعلاقات بين القوى العظمى”، مؤكداً أن المصالح المشتركة بين بكين وواشنطن أكبر من خلافاتهما، وأن على البلدين أن يكونا “شريكين لا خصمين”.
وجاءت تصريحات شي في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توتراً متصاعداً على خلفية ملفات التجارة، والرسوم الجمركية، وتايوان، والتكنولوجيا، إضافة إلى الحرب في الشرق الأوسط، ما جعل استحضار هذا المفهوم التاريخي يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الطابع النظري.
يرتبط المصطلح بالمؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس، الذي وثّق الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة خلال الفترة بين عامي 431 و404 قبل الميلاد.
واعتبر ثوسيديدس أن السبب الحقيقي للحرب لم يكن حادثة بعينها، بل خوف إسبرطة، القوة المهيمنة آنذاك، من صعود أثينا كقوة منافسة.
ومن هذه الفكرة ظهر مفهوم “فخ ثوسيديدس”، الذي يشير إلى أن التوتر بين قوة دولية صاعدة وأخرى مهيمنة قد يجعل الصدام بينهما أمراً مرجحاً، أو حتى حتمياً في بعض الحالات.
ورغم أن الفكرة تعود إلى التاريخ اليوناني القديم، فإن المصطلح عاد بقوة إلى النقاشات السياسية الحديثة بعد أن استخدمه الباحث الأمريكي غراهام أليسون عام 2012 في دراسة تناولت مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، محذراً من أن التاريخ يُظهر أن مثل هذا التنافس كثيراً ما ينتهي بالمواجهة.
ومنذ ذلك الحين، أصبح المفهوم حاضراً بقوة في أدبيات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، خصوصاً مع تصاعد النفوذ الصيني عالمياً، وما يقابله من قلق أمريكي متزايد حيال التوازنات الدولية الجديدة.
تايوان وإيران والتنافس العالميورغم التركيز العلني على ملفات التجارة والاقتصاد، فإن القمة جاءت وسط تصاعد حساسيات سياسية وأمنية تشمل تايوان، والحرب في الشرق الأوسط، ومستقبل النفوذ العالمي لكل من واشنطن وبكين.
وحذر الرئيس الصيني من أن التعامل الخاطئ مع قضية تايوان قد يؤدي إلى تصادم بين البلدين، مؤكداً أن الملف يمثل “أهم قضية في العلاقات الصينية الأمريكية”.
كما تزامنت القمة مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، وسط اهتمام عالمي بكيفية إدارة القوتين الكبريين للتوازنات الدولية في ظل أزمات متزامنة تضغط على الاقتصاد العالمي والاستقرار الجيوسياسي.
وفي هذا السياق، بدا استحضار “فخ ثوسيديدس” بمثابة رسالة سياسية تعكس إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن التنافس بينهما لم يعد يقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل أصبح مرتبطاً بمستقبل النظام الدولي نفسه، وبقدرة القوتين على تجنب تكرار نماذج تاريخية انتهت بصراعات كبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك