مع كون «عادل إمام» أحد رموز الفن والكوميديا والضحك فى العالم العربى.
إلا أنه، ومن خلال أرشيف يتجاوز 100 فيلم، قدّم نوعيات مختلفة ومتنوعة بخلاف اللون الكوميدى، فقدّم أعمالاً تفضح الفساد الإدارى والسياسى للدولة، كتبها «وحيد حامد» وأخرجها «شريف عرفة»، مثل «اللعب مع الكبار» و«النوم فى العسل».
كما قدّم أعمالاً تهاجم الإسلام السياسى فى مجتمع ثمانيناتى وتسعيناتى تفشّت فيه نعرة التيار الإسلامى، وكانت بداية الاحتكاك عام 1988م عندما عاثت الجماعات الإرهابية فى أرض أسيوط فساداً، فأحرقت محلات أشرطة الفيديو، وهاجمت الفرق المسرحية فى الجامعة.
وإثر ذلك قرّر «إمام» السفر بفرقته المسرحية لعرض مسرحية «الواد سيد الشغال»، دعماً لفنانى الجامعة، مُعرّضاً حياته للخطر، وفعلاً، استطاع أن يعرض العمل لثلاث ليالٍ متواصلة، ثلاث ليالٍ سرقها من زبانية الغضب والتطرف.
كانت تلك هى المواجهة الأولى بينه وبين التنظيمات الإرهابية، ومنها أطلق مجموعة أعمال تتصدّى للتطرّف، ففى 1992م قدّم «الإرهاب والكباب»، وفى 1994م قدّم «الإرهابى»، والذى ما زلنا نقتبس منه جملته الحوارية الشهيرة «لا تناقش ولا تجادل يا أخ على»، جملة واحدة يفضح بها «لينين الرملى» المنهج المريض والمزايدة الدينية والانصياع وتغييب العقل وفرض العنجهية.
ثم عاد الزعيم فى العام التالى 1995م ليُقدم «طيور الظلام»، والذى ما زلنا نذكر منه الإفيه الذى وظّفه «وحيد حامد» ليتناسب مع كل مكان وزمان «يا واش يا واش يا مرجيحة».
تلك المحاولات الدائمة تسبّبت فى أن رفع البعض دعاوى قضائية ضده بتهمة السخرية من اللحية والجلباب، وهناك نوعية أخرى من الأعمال كـ«المشبوه» و«شمس الزناتى» و«زهايمر» و«الحريف» أعمال تتّسم بالجدية فى التناول، أراد من خلالها أن يبتعد عن فكرة تصنيفه كنجم كوميدى.
وفى منطقة رمادية بين كل أفلام «عادل إمام»، يقبع عمل ما، هو أجمل وأكمل ما شاهدت له، عمل يختلف، فى وجهة نظرى، عن كل ما قدّمه خلال مسيرته، سواء فى التليفزيون أو السينما أو المسرح، عمل يجمع ما بين الأضداد، فلا هو رومانسى ولا كوميدى ولا جدى تماماً ولا أكشن، هو كل ذلك معاً.
يجمع بين الرومانسية واللايت كوميدى والإثارة والدراما الاجتماعية الهادفة.
فيلم على قدر كبير من الرقة والمشاعر الإنسانية المرهفة المعالَجة بشكل فنى متقن.
«خلى بالك من عقلك».
فيلم لطالما اعتبرته masterpiece فى تاريخ «عادل إمام»، ولم أشغل بالى من قبل بتقصّى الأسباب التى وضعته على المقاعد الأمامية فى ذائقتى الفنية، لكننى سأحاول أن أبحث عن الأسباب الفنية المنطقية وراء ميلى إليه وتمييزى له، وفى الحقيقة وجدت من العوامل الكثير وحصرتها فى نقاط:■ القضايا التى يناقشها العمل، فهو هنا لم يتصدّ لأفكار سياسية أو إسلامجية أو لها علاقة بالفساد الإدارى، وإنما تصدّى لأفكار لها علاقة بفساد العقول! الفيلم معنِى بالصحة النفسية mental health.
فهو من الأفلام العربية المعدودة جداً التى تعرّضت بصدق وبشكل علمى متزن للمرض النفسى، بعيداً عن الشكل النمطى للمريض النفسى من جهة، وللدكتور النفسى من جهة أخرى، والذى كنا نراه فى أفلام الأبيض والأسود.
■ الفيلم تصدّى أيضاً لفكرة التنمر، فى مجتمع ثمانيناتى لم يكن قد تعرّف بعد إلى ذلك المصطلح -الحديث نسبياً- وقبل أن يصبح ترينداً.
من أحطّ أنواع الإيذاء النفسى الذى يعانى الشاب على أثره من خلل فى تقديره لذاته ونظرته لنفسه.
ونحن نتابع يومياً حالات فى مجتمعنا وصلت إلى حد ارتكاب الجرائم أو حتى الانتحار من جراء معاناتهم من تنمر الآخرين عليهم.
■ موسيقى «عمر خيرت» الخالدة، كنت وأنا طفلة أحب تلك القطعة الموسيقية بالذات، ليس أرق ولا ألطف منها، كانت تدخل قلبى دون استئذان، وتُدمِع عينىّ دون أسباب.
لاحقاً، فى فترة مراهقتى تعرّفت إلى الفيلم، وأحببته أيضاً، وأصبح على قمة مفضلاتى لأفلام عادل إمام، وأضحت الموسيقى تترجم لى المَشاهد بنعومة وانسيابية من دون كلمات.
لا أدرى أأحببت الفيلم من أجل الموسيقى، أم الموسيقى من أجل الفيلم، ولكن المؤكد أن تلك النغمات الساحرة كانت سبباً رئيسياً فى رسوخ هذا العمل فى ذاكرتى.
استطاع من خلالها «خيرت» أن يمرّر لى كمُشاهد حالة من قوة الحب وضعفه فى المشهد نفسه.
من الامتنان والاحتياج.
من الرقة والقوة.
نغمات تمسُّ شيئاً هناك فى شغاف قلبك.
■ كادرات بديعة خلقها المخرج الكبير «محمد عبدالعزيز» بتأنٍّ وحب، كالكادر الذى يربت فيه «وائل» على كف «سلوى» من وراء الحاجز الحديدى، دون أن يمسّها، الكادر الذى يفتعل فيه زفافاً فى عنبر الحريم، فيربط إيشارباً ملوناً محل البابيون وتزفّهما النساء، المشهد الذى حاول فيه الإمساك بالسلك الكهربائى ليعاين إحساس سلوى بالصعق.
حالة مختلفة يُدخلك إليها «محمد عبدالعزيز» لا إرادياً ورغماً عنك.
■ أداء «عادل إمام» نفسه، الذى يختلف عن أى أداء شاهدته له فى أى عمل آخر، أداء درامى مع حس فكاهى خفىّ، استخدم كل مفردات جسده فى التمثيل، دون الاقتصار على تصدير بعض انفعالات الوجه فقط للإضحاك.
استطاع تلبُّس شخصية الشاب «وائل» عالى الصوت سريع الانفعال، الذى يقف دائماً إلى جانب قناعاته ويمنح من حوله الأمان والطمأنينة، يشعر بالانجذاب التدريجى تجاه سلوى، فيقوده ذلك إلى الإقدام على أفعال غير منطقية، كأن يقوم بتكسير جهاز الصدمات الكهربائية، أو أن يتسلل لعنبر الحريم من فوق السور ليلاً ليحتفل بعيد ميلادها.
بجانب الزهرة الجميلة «شريهان»، التى تُضنى قلبك بصراخها فى جلسات الكهرباء، ثم تجعله يبتسم وهى رائقة تنظر بامتنان شغوف فى عينى حبيبها (عادل إمام) ثم يرفرف وهى تضحك بهستيريتها الطفولية المحبّبة.
حالة «خلاط» يضعك داخلها العمل، فما إن تدمع عيناك على صرخات سلوى الدامية فى جلسات الكهرباء، حتى تجلجل ضاحكاً مع الإفيهات اللطيفة التى يطلقها «وائل» ليخفّف من وطأة المواقف الصعبة التى يتعرّض لها.
■ رسالة الفيلم الهادفة: فلقد كرّس هذا العمل الفنى نفسه ليعالج بعض الأفكار ويصحّحها، قد يتعرّض كل منا لأزماتٍ وانتكاساتٍ خلال سنى حياته، والعقل الباطن هو مركز انفعالات الإنسان، وهو مخزن الخبرات والذكريات، أى ما يشبه الأرشيف لكل ما يخفيه العقل الظاهر، وهذا ما حدث مع «سلوى»، حين دفعتها خبراتها السابقة السيئة إلى أن تخشى الجنس الآخر، بل أن تخشى المجتمع ككل.
جاء الفيلم ليعلّم مجتمع الثمانينات أن كلنا مرضى نفسيون، وكلنا يحتاج إلى النبش داخل ماضيه للوصول إلى أسباب الأمراض والعُقد والكلاكيع، جاء الفيلم ليهاجم فكرة استسهال بعض الأطباء النفسيين، عوضاً عن تتبع المشكلة وحلّها من جذورها.
وبعد أن تبدأ «سلوى» أولى خطواتها فى العلاج، تتعرّض لموجة من الرفض والتنمر من كل المحيطين بها، كونها مريضة نفسية: الجيران، وزملاء «وائل»، ووالدته التى رفضت أن يتناول ابنها قطعة شيكولاتة أمسكتها «سلوى» بيديها خشية تمرير المرض النفسى له! ذلك النوع من التنمر قد يتسبّب فى انتكاسة للمريض النفسى، خصوصاً مع إحساسه بالرفض مِن كل مَن حوله.
لكن كان العلاج دوماً فى التقبُّل.
فى الحب بكل أنواعه، فهو وحده كفيل بالعلاج الشافى لكل الأمراض النفسية.
فى رسالة هادفة مضمونها أن الحب يصنع المعجزات.
والآن، بعد أن فنّدت أسبابى ودوافع ميلى، أجدنى فى هذه اللحظة بالذات أرغب فى فتح اللاب توب ومشاهدة الفيلم للمرة الخمسين!هذا عمل يغرقك فى الضحك ويدميك من البكاء ويجعلك تتعاطف ويجعلك تغضب، وتذوب عشقاً وحناناً.
* دكتوراه الآثار والفنون القبطية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك