بعد النجاح المتميز الذي حققته الجولة الأولى مع الدكتور منصور سرحان، أطلقت مؤسسة “البلاد” الإعلامية الجولة الثانية من مبادرتها الرائدة “منبر القلم”، سيكون الجمهور الثقافي على موعد مع الاحتفاء بفارس الكلمة الشاعر البحريني الكبير علي عبدالله خليفة؛ حيث ستتحول مكتبة “البلاد” إلى واحة أدبية تعرض نتاجه الغزير على مدار شهرين، يتخللها قراءات نقدية أسبوعية رصينة تسلط الضوء على تجربته الطويلة التي شهدت على ريادتها الأجيال المتلاحقة.
وتأتي في مقدمة هذه القراءات مراجعة شاملة لكتاب “زهرة اللوتس: قراءات بلاغية في شعر علي عبدالله خليفة” للدكتورة وجدان عبدالإله الصائغ، رئيسة قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة ذمار باليمن، والذي يمثل دراسة عميقة تسعى لتأسيس رؤية نقدية تستلهم أصالة الدرس البلاغي العريق لعلماء مثل الجرجاني والسكاكي والقزويني، وتنطلق منها نحو رحاب المناهج النقدية المعاصرة كالبنيوية والأسلوبية والنقد النفسي والاجتماعي، لتفكيك شفرات النص واستبطان “أنا” الشاعر في سياقها التاريخي والأسطوري.
وتنبع قيمة هذا الكتاب من قدرته على معالجة “اللحمة والسداة” في النسيج الشعري لخليفة، حيث تنبثق رؤية الدكتورة الصائغ من جماليات الصورة البيانية بمختلف تجلياتها من تشبيه واستعارة وكناية، لتكشف عن “المسكوت عنه” في بنية القصيدة، مدعومة بمهاد إيقاعي يجمع بين الموسيقى العروضية الخارجية والإيقاع الداخلي الذي يتوغل في ثنايا الصورة.
وتجد الدراسة في تجربة علي عبدالله خليفة ميدانًا تطبيقيًّا خصبًا، كونه صوتًا شعريًّا متميزًا تمتد تجربته لسنوات طويلة برع خلالها في كتابة القصيدة الفصيحة بتقنياتها الحديثة، والقصيدة العامية التي حظيت بصدى واسع في هذه الدراسة.
وتتتبع الباحثة نتاج الشاعر منذ مجموعته الأولى “أنين الصواري” الصادرة عام 1969، مبرزة الحس الدرامي الممتزج بالتراث الشعبي، مرورًا بمجموعته الثانية “إضاءة لذاكرة الوطن” الصادرة عام 1973 التي سجلت عبر قصيدة “كان الفتى سلطان” انتقال الشاعر من الهم المحلي إلى الآفاق الإنسانية الواسعة بتقنية سردية واعية.
وتستمر الرحلة النقدية في الكتاب لتتوقف عند محطات بارزة مثل مجموعة “في وداع السيدة الخضراء” الصادرة عام 1992 التي رصدت فيها الدراسة ظاهرتي المرأة والطبيعة برؤية نقدية خاصة، وصولاً إلى مجموعة “حورية العاشق” الصادرة عام 2000 التي انغمست في ظاهرة “التوهج” بدلالاتها المشرقة والمحرقة.
ولم تغفل الدراسة الجانب الشعبي في تجربة الشاعر الكبير، حيث خصصت فصلاً كاملاً للقصيدة الشعبية، بدءًا من “مواويل عطش النخيل” الصادرة عام 1970 التي استجلت فيها فاعلية الصورة الكنائية وقدرتها على تكثيف أفق النص، وانتهاءً بمجموعة “عصافير المساء” الصادرة عام 1983 التي رصدت فيها الفضاء المكاني وبؤر الانزياح الدلالي، لتقدم الدكتورة وجدان الصائغ في ختام دراستها سطورًا مركزة تلخص نتائج كل مبحث، وتمنح القارئ فكرة مكثفة وشاملة عن طبيعة هذا الإرث الشعري الذي صاغه الشاعر الكبير علي عبدالله خليفة عبر عقود من العطاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك