إنّ ما يحدث من “تحوّل رقميّ”، عن طريق دمج التكنولوجيا الرقمية في حياتنا اليومية؛ في التعليم والرياضة والاقتصاد والصحة، ومختلف مجالات الحياة، لَهُوَ من أسباب رفاهية الإنسان وتطوير أدائه وجودة حياته.
لكنّ هذا التحول وذلك التأثير طال الأسرة، خصوصًا الطفل بوصفه مشروع كل أسرة وأملها؛ فهو ليس بمنأى عن هذا التحول لكن قد يكون أكبر المتضرّرين من آثاره السلبية إذا لم يكن هناك توازن مدروس في جرعات هذا التحول الرقمي في حياة الطفل والمراهق.
لقد ازداد بعض الأطفال عزلة وتقوقعا على الذات، وتراجعت لديهم مهارات التواصل الاجتماعي والعاطفي في الواقع.
وتنذر هذه الحقيقة التي أكّدتها العديد من الدراسات والبحوث والملاحظات الميدانية بعواقب وخيمة تنتظر الأطفال والمراهقين والشباب من حيث قدرة العديد منهم على الاندماج والتواصل مع الآخرين.
ومن أسباب هذه الظاهرة تراجع دور الأسرة بسبب انخفاض عدد ساعات اللقاء المباشر بين الأولياء وأبنائهم.
وقد استعاض العديد من الأطفال أثناء وجودهم في البيت عن أفراد الأسرة والمجتمع الواقعي “بالعائلة الرقميّة” إن جازت الاستعارة؛ فقد وفّرت العائلات للأبناء أدوات تكنولوجية في سنّ مبكرة جدّا كبديل عن التفاعل الحيّ والجلسات اليومية التي ينبغي أن تجمعهم والحوار المباشر.
وبذلك، فقد الكثير من الأطفال والمراهقين سمات الشخصية الاجتماعية المتحدّثة، وافتقروا مهارات التفاوض الاجتماعيّ، وانزوى كثيرون في غرفهم مفضّلين “العزلة الرقميّة” والدخول في علاقات افتراضية تكون لهم فيها القدرة على السيطرة على من يريدون وإقصاء أو حظر من لا يتّفق مع هواهم.
وهكذا تجد للطفل أو المراهق آلاف المتابعين على منصات التواصل الرقمي، لكن ليس له أصدقاء ولا أقارب يلتقي بهم خارج وقت الدوام المدرسي، بل ربما يعتري بعضهم الارتباك أو يصيبه التعرق إذا تحاور مباشرة مع ندّ له أو دخل في مناقشة لإثبات رأيه أو دحض الرأي المخالف.
وهو ما يؤكّد أنّ الميل إلى العزلة والانفراد بالذات هو دليل فشل وعجز عن نسج علاقات اجتماعية صحية تقوم على الحوار والتفاهم والاختلاف وقبول الآخر.
لذا لابد من إعادة النظر في علاقة أبنائنا ولاسيما الأطفال منهم والمراهقين بأجهزة الهواتف واللوحات الذكية، ولابدّ أيضًا من تعزيز تواصلهم الاجتماعي الإنساني المباشر مع أفراد العائلة في مرحلة الطفولة المبكرة ومع أصدقائهم في المدرسة وخارجها، وتشجيع أطفالنا على الانتماء إلى النوادي الرياضية والثقافية، والتسجيل في حلقات تحفيظ القرآن الكريم، ومصاحبتهم لزيارة الأقارب والأهل في كامل أيام السنة ولاسيما في الجُمع والمناسبات والأعياد حتى تقوى شخصية الطفل وتنمو مهاراته التواصلية والعاطفية من خلال التلاقي المباشر مع الآخرين.
* كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك