ما هى موازين القوى الدولية فى منطقتنا بعد ان تضع الحرب الأمريكية- الإيرانية أوزارها؟ من هى القوى التى تستثمر الآن فى «حرائق» الشرق الأوسط لصالح حسابات جيوسياسية أوسع.
إذا كان الصراع الأمريكي-الإيرانى عام 2026 يحاول أعاده رسم الخرائط، فإن الصين وروسيا هما «اللاعبان من خلف الستار» اللذان يحصدان ثماراً مختلفة تماماً.
ولاً: روسيا.
«المستفيد التكتيكي» والمحرض الهادئلا أبالغ اذا قلت إن الحرب فى الشرق الأوسط هى «هدية» استراتيجية بالنسبة لموسكو فى وقت تنشغل فيه بحروبها الخاصة فى أوروبا…كيف؟• استنزاف الغرب: حيث تستفيد روسيا من انشغال أمريكا مع ايران وتوجيه مواردها العسكرية والمالية نحو الحرب، مما يخفف الضغط عن الجبهة الأوكرانية.
• مليارات الدولارات: مع اضطراب الملاحة فى مضيق هرمز، قفزت أسعار النفط «تجاوزت 100 دولار للبرميل فى تقديرات 2026»، وهذا يغذى الخزينة الروسية بمليارات الدولارات التى تمول آلتها العسكرية.
• وعلى مستوى الاختبار الميدانى قدمت روسيا لإيران دعماً تقنياً «أنظمة S-400 ومقاتلات Su-35»، وهى ترى فى هذا الصراع مختبراً حياً لتجربة أسلحتها ضد التكنولوجيا الأمريكية.
ثانياً: الصين.
«الرابح الاستراتيجي» بحذر شديدحيث تلعب الصين دور «المستقر الحكيم»، لكن بمكاسب ضخمة من خلال:• إضعاف النظام العالمى القديم: تستخدم الصين الحرب لإثبات أن الولايات المتحدة «قوة فوضوية» تزعزع استقرار العالم، مما يسهل على بكين طرح نفسها كبديل دبلوماسى موثوق عبر مبادرات السلام والتنمية التى تطرحها.
• التبعية الإيرانية: ستصبح إيران المدمرة والجريحة أكثر ارتماءً فى أحضان الصين، مما يمنح بكين عقوداً طويلة الأمد للطاقة وإعادة الإعمار بشروطها الخاصة.
• لكن الخسارة الوحيدة للصين تكمن فى تضرر سلاسل التوريد وارتفاع تكلفة الطاقة قد يبطئ نمو الصين قليلاً «انخفاض طفيف فى توقعات النمو لعام 2026»، لكنها تراه ثمناً مقبولاً مقابل تآكل الهيمنة الأمريكية.
والسؤال هل لا تزال الدبلوماسية تملك فرصة؟ أم أننا فى نفق بلا رجعة؟لن تستمر الحرب إلى ما لا نهاية، تكمن المشكلة فى تحسين ظروف التفاوض لكل طرف من خلال الحرب، لأن الدبلوماسية لا تموت فى السياسة، بل تتغير أدواتها.
منها على سبيل المثال:• دبلوماسية الضرورة: محاولات لإيجاد «هدنة تقنية»، لأن الطرفين وصلا إلى نقطة الإنهاك، واشنطن لا تتحمل حرباً برية شاملة، وطهران لا تتحمل انهياراً كاملاً للدولة.
نعم النفق ليس مسدوداً، ولكنه مظلم، المنطقة لم تدخل نفقاً «لا رجعة فيه» بمعنى الفناء، بل دخلت مرحلة •«الواقعية المريرة».
للأسف الدبلوماسية القادمة لن تكون عن «الصداقة» أو «الاتفاق النووى القديم»، بل ستكون حول «إدارة الانهيار» ومنع الصدام النووى المباشر.
• تغير اللاعبين: قد لا تكون الدبلوماسية القادمة «أمريكية» بامتياز.
الصين وروسيا سيكونان جزءاً من أى طاولة مفاوضات مستقبلية، والسؤال هل «شكل» السلام القادم سيكون بملامح شرقية أكثر من أى وقت مضى وإلى أى مدى سيكون الدور الاسرائيلى؟والمنطقة العربية هى «الضحية الجغرافية» التى تدفع ثمن صراع إرادات دولية وإقليمية لا تملك السيطرة على فتيله، ومع ذلك هى الطرف الأكثر سعياً لإطفاء الحريق.
العرب هم الجرحى وفى نفس الوقت هم «حمامة السلام».
يبحثون عن «الأمن الوجودي».
يطلبون الوساطة ليس من باب الترف السياسي، بل كضرورة للبقاء.
أى رصاصة تطلق بين واشنطن وطهران، يسقط صداها «اقتصادياً، أمنياً، وبيئياً» فى العواصم العربية.
العرب يدفعون فاتورة الجغرافيا، الصواريخ تعبر الأجواء العربية، والملاحة فى الخليج العربى والبحر الأحمر هى شريان الحياة الاقتصادية لدول المنطقة.
كل الخوف ان يتحول سكان المنطقة الى نازحى حرب.
أى انهيار شامل فى إيران سيعنى موجات هجرة ولجوء ضخمة لن تذهب إلى واشنطن، بل ستتجه نحو الجوار العربى المثقل بالأزمات أصلاً.
كل ذلك والعرب لا « ناقة لهم ولا جمل».
وخسارة التنمية والتقدم ندفعها جميعا.
فى وقت تتسابق فيه دول عربية «مثل مصر ودول الخليج» نحو مشاريع رؤية 2030 وما بعدها، تأتى هذه الحرب لتعطل الاستثمارات والسياحة وتجعل «المخاطر السيادية» فى أعلى مستوياتها.
والوساطة كأداة للتحكم فى المصير من خلال «تعريب» الحل.
هى هدفنا.
بدلاً من أن تقرر واشنطن وبكين وطهران مصير المنطقة فى غرف مغلقة، نحاول كعرب حجز مقعد على الطاولة لضمان ألا يكون الحل على حساب المصالح العربية العليا.
ورغم سوداوية المشهد، إلا أن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى تنتهى دائماً بـ «تسويات كبري».
فهل سنعيش السيناريو المتفائل بأن تدرك الأطراف الدولية أن كلفة الحرب المستمرة فى 2026 أصبحت تهدد «النظام العالمي» ككل، مما يجبرهم على قبول وساطة تضع حداً للنزيف.
أم سنعيش السيناريو الواقعى فى «نفق طويل» وليس مسدوداً؛ حيث ستستمر المناوشات والوساطات فى حلقة مفرغة، حتى يظهر توازن قوى جديد عالمياً يفرض قواعد لعبة مختلفة؟ !!الدبلوماسية الآن هى «سيارة إسعاف» تحاول وقف النزيف، وليست «غرفة عمليات» لإيجاد حل جذري.
نعم تعيش المنطقة حالة «لا حرب شاملة ولا سلم حقيقي»، وهو وضع مرهق يجعل الجميع خاسراً على المدى الطويل، باستثناء أولئك الذين يبيعون السلاح أو يشترون النفط بأسعار الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك