خمسون عامًا مرّت كأنها ومضة عابرة منذ تخرجت دفعتنا في إعلام القاهرة، لكنها في حقيقتها نصف قرن من التحولات الكبرى التي أصابت الصحافة المصرية، صعودًا وهبوطًا، ازدهارًا وتعثرًا، حتى أصبحت الذكرى الشخصية مرآة لذاكرة وطن كامل عاش زمن الكلمة المطبوعة وهي تصنع الوعي والرأي العام وتؤثر في السياسة والثقافة والحياة اليومية للمصريين.
حين التحقنا بمعهد الإعلام قبل أن يتحول إلى كلية للإعلام بدءا من دفعة ١٩٧٨، لم يكن الطريق إليه مفتوحًا بمجرد مجموع الدرجات، بل كانت هناك اختبارات تحريرية وشفوية، ومحاولات لاكتشاف من يملك حقًا موهبة الصحفي أو الإعلامي وقدرته على التعبير والحوار والتحليل.
كانت دفعات 75 و76 و77 من أول وآخر الأجيال التي دخلت بهذه الروح، قبل أن يدخل الإعلام لاحقًا دوامة التنسيق الجامعي، حيث صار المجموع وحده بوابة العبور، لا الموهبة ولا الاستعداد النفسي والثقافي للمهنة.
ومن هنا بدأ السؤال الكبير الذي يفرض نفسه اليوم: هل كانت كلية إعلام القاهرة وحدها عاجزة عن تلبية احتياجات المهنة حتى تتكاثر الكليات والأقسام والمعاهد بهذا الشكل الذي أفرز جحافل من الخريجين لا تجد موطئ قدم في سوق الصحافة والإعلام؟ أم أن الأزمة الحقيقية ليست في العدد، بل في طبيعة التعليم الإعلامي ذاته، وفي تراجع المؤسسات القادرة على استيعاب الكفاءات وصقلها؟لقد تعلمنا الصحافة في زمن كان فيه الأستاذ مشروعًا فكريًا كاملًا، لا مجرد محاضر أكاديمي.
كان الأستاذ الكبير جلال الحمامصي واحدًا من تلك القامات التي صنعت وجدان أجيال كاملة من الصحفيين.
لم يكن يدرّس الصحافة باعتبارها حرفة لجمع الأخبار فقط، بل باعتبارها رسالة أخلاقية وفكرية، تقوم على الحرية والاستقلال واحترام عقل القارئ.
كان يمثل نموذج الصحفي الوطني الليبرالي الذي يؤمن بأن الصحافة الحرة ليست خصمًا للدولة، بل ضمانة لسلامة المجتمع.
ومن خلاله عرفنا أن قيمة الصحفي لا تقاس بقدرته على الاقتراب من السلطة، بل بقدرته على الاقتراب من الناس.
وعلى أيدي أساتذة كبار آخرين تشكل وعينا المهني والثقافي؛ من بينهم د.
جمال العطيفي الذي شغل منصب وزير الإعلام والذي منح طلابه فهمًا عميقًا لتشريعات الإعلام وحدود العلاقة بين السلطة والصحافة، والفقيه الدستوري د.
مفيد شهاب الذي علّمنا القانون الدولي بلغة تجمع بين العمق والبساطة، إلى جانب أسماء لا يمكن أن تنساها ذاكرة الإعلام المصري مثل الدكاترة: عواطف عبدالرحمن وجيهان رشتي وسامي عزيز الذي كان بحق موسوعة حية في تاريخ الصحافة المصرية، فضلًا عن د.
حامد ربيع ود.
أحمد الصاوى ود.
عبد الملك عودة ود ليلى صقر وغيرهم من أساتذة السياسة والاجتماع والإعلام الذين جعلوا من دراسة الصحافة دراسة للحياة نفسها، لا لمهنة معزولة عن المجتمع.
ولم تكن الدراسة نظرية فحسب، فقد كانت مجلة “صوت الجامعة” معملًا حقيقيًا لتكوين الصحفيين.
هناك تعلمنا كيف تُصنع المادة الصحفية، وكيف تُدار غرفة التحرير، وكيف يخرج العدد إلى الناس.
كنا نحرر المجلة ونوزعها بأيدينا، وكأننا نتدرب مبكرًا على معنى الانتماء للمهنة.
في تلك التجربة أجريتُ، وأنا طالب بالجامعة، حوارات مع شخصيات بارزة مثل دكتور فؤاد محيي الدين وزير الصحة وقتها ودكتور صوفي أبو طالب الذي تولى رئاسة الجمهورية في أعقاب أحداث المنصة، فشعرت مبكرًا أن الصحافة ليست مجرد كتابة، بل مسئولية واحتكاكًا مباشرًا بصناع القرار وتاريخ الوطن.
ثم جاءت التجربة المهنية داخل دار التحرير للطبع والنشر (الجمهورية) التي التحقت بها عام 1976، في نفس عام التخرج، على يد الكاتب الكبير محسن محمد الذي استطاع أن يحول “الجمهورية” إلى جريدة الناس جميعًا، وأن يرفع توزيعها من بضعة آلاف إلى ما يقارب المليون نسخة.
كانت تجربته تقوم على فهم مبكر لفكرة الصحافة الشعبية الواسعة، القريبة من الشارع، المنحازة لهموم المواطنين، دون أن تفقد لغتها الرصينة أو دورها السياسي.
وقد أدرك أن الصحيفة لا تعيش بتاريخها فقط، بل بقدرتها على تجديد نفسها والانصات لتحولات المجتمع.
ومن بين الأسماء التي يحق لإعلام القاهرة أن يفخر بها، تأتي الدكتورة ليلى عبدالمجيد ابنة دفعتي التي أصبحت أول عميدة لكلية الإعلام من خريجيها، وهو حدث يحمل دلالة رمزية وعلمية كبيرة؛ فقد مثلت نموذج الأستاذة التي جمعت بين الصرامة الأكاديمية والرؤية العملية لتطوير المؤسسات الإعلامية.
لم تكن مجرد أستاذة صحافة، بل كانت مدرسة في الإدارة والتخطيط الإعلامي، وواحدة من أوائل من نبهوا إلى خطورة الفجوة بين التعليم الإعلامي واحتياجات السوق، كما دافعت عن ضرورة تحديث الصحافة القومية دون التفريط في دورها الوطني والتنويري.
وحين توليت رئاسة مؤسسة دار التحرير(الجمهورية)، كان من الطبيعي أن أستعين بها وبزوجها الراحل محمود علم الدين، ومعهما الدكتورة نجوى كامل ابنة دفعتنا ووكيلة الكلية لاحقًا، لإعداد دراسات وأبحاث تستهدف تشخيص نقاط الضعف داخل المؤسسة وتحويلها إلى نقاط قوة.
وكانت تلك التجربة تعبيرًا عن إيمان حقيقي بأن تطوير المؤسسات الصحفية لا يمكن أن يتم بالقرارات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى عقل علمي وخبرة أكاديمية وبحوث ميدانية تقرأ الجمهور والسوق والتحولات التكنولوجية.
لقد حاولنا وقتها بناء تصور يربط بين تاريخ “الجمهورية” العريق — وهي المؤسسة التي ارتبط تأسيسها بثورة يوليو، وكان أول مدير عام لها أنور السادات بينما صدرت رخصتها باسم جمال عبد الناصر — وبين متطلبات العصر الجديد الذي بدأت فيه الصحافة الورقية تواجه تحديات غير مسبوقة.
واليوم، بعد مرور عقود على تلك المحاولات، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا.
فالصحف القومية تقف بالفعل على أعتاب مرحلة فاصلة؛ وصعوبات اقتصادية معقدة، وتحول واسع نحو الإعلام الرقمي، وتغير جذري في سلوك القراء والإعلان، فضلًا عن أعباء مالية وإدارية متراكمة.
بعد خمسين عامًا من التخرج، لا تبدو الذكريات مجرد حنين إلى زمن مضى، بل تبدو محاولة لفهم كيف تغيرت المهنة التي أحببناها، وكيف يمكن إنقاذ ما تبقى من روحها.
فالصحافة التي تعلمناها على أيدي جلال الحمامصي وغيره من الرواد، كانت تؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن المؤسسة الصحفية ليست مجرد مبنى أو مطبعة، بل عقل مجتمع وذاكرته الحية.
وربما يكون التحدي الحقيقي الآن هو كيف نستعيد تلك الروح، لا كيف نستعيد الماضي نفسه.
إذ لا يمكن، مهما بلغت وسائل الإعلام الحديثة من تطور واتساع، الاستغناء عن الصحافة القومية التي ستظل رمانة الميزان في تشكيل الوعي الوطني وحماية التوازن المجتمعي.
غير أن الحفاظ على هذا الدور التاريخي يقتضي دعماً حقيقياً ومتواصلاً، لا يقتصر على التمويل فقط، بل يمتد إلى ضخ دماء جديدة من أوائل خريجي كليات الإعلام، ممن يملكون الحماسة والقدرة على مواكبة عالم الميديا المتغير، وإعادة بناء الجسور مع جمهور جديد يبحث عن المهنية والمصداقية والوعي.
ومن هنا، فإن طرح فكرة دمج بعض المؤسسات الصحفية القومية في مؤسسات أخرى بدعوى ترشيد النفقات أو تقليل الخسائر، لا يبدو حلاً جذرياً للأزمة بقدر ما هو ترحيل لها.
فلكل مؤسسة صحفية تاريخها العريق، ومدرستها المهنية، ورصيدها الوطني الذي لا يجوز التفريط فيه أو إذابته داخل كيانات أكبر.
إن الحفاظ على هذه المؤسسات ليس حفاظاً على مبانٍ أو أسماء، بل على ذاكرة وطنية وتراكم مهني وثقافي أسهم لعقود في تشكيل الرأي العام المصري والعربي.
ولعل ما يقوم به المهندس عبد الصادق الشوربجي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة يعكس فهماً واعياً لطبيعة المرحلة، من خلال السعي إلى تطوير المؤسسات الصحفية القومية، وتعظيم الاستفادة من أصولها واستثماراتها، بما يضمن قدرتها على أداء رسالتها الوطنية بعيداً عن الحلول السهلة أو المؤقتة.
فالصحافة القومية لا يُقاس نجاحها بمنطق الربح والخسارة وحده، وإنما بقدرتها على حماية الوعي العام، ودعم الدولة الوطنية، وصيانة سلامة الرأي العام باعتبار ذلك أحد أهم مقومات الأمن القومي المصري.
المهندس عبد الصادق يدرك جيدآ أهمية الصحافة القومية وقيمتها كرمانة ميزان وعضد كبير في ظهر الدولة في خضم التحديات الضخمة المحيطة إقليميا وعالميا ومن هنا يأتي دورها وأهميتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك