في خطوة أثارت صدمة واسعة في الأوساط الثقافية والفنية المصرية، اتخذت اللجنة العليا للمهرجانات برئاسة الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، قرارا بعدم التصريح بإقامة الدورة الثانية والأربعين لمهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي لدول البحر المتوسط.
هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو إعلان عن أزمة حقيقية في إدارة الملفات الثقافية بوزارة الثقافة، التي اختارت طريق المنع السهل بدلا من مشقة الإصلاح والتمكين.
إن التعامل مع مهرجان الإسكندرية السينمائي كفعالية يمكن شطبها بجرة قلم هو خطأ فادح في تقدير قيمة التاريخ وتقدير قيمة المهرجان والثقافة، فهو ثاني أعرق المهرجانات السينمائية في مصر والمنطقة العربية بعد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
إنه النافذة التي تطل منها مصر على ضفتي المتوسط، والجسد الذي احتضن كبار صناع السينما لأربعة عقود من الزمان.
إن الحديث عن تراجع المستوى كذريعة للإلغاء يمثل تبريرا غير مقنع، فإذا كان هناك تراجع في الأداء، فالمسؤولية مشتركة بين الوزارة التي تمتلك الرقابة وبين الإدارة التي تحتاج إلى دعم استراتيجي، لا إلى حكم بالإعدام.
وهنا نصل إلى الحقيقة المرة التي تتجاهلها تقارير اللجنة، وهي أن المهرجان يُحارب بإمكانات مالية تنتمي لعصور غابرة.
إن الميزانية المخصصة للمهرجان ظلت ثابتة ومجمدة عند رقم لا يتجاوز مليونين ومئتي ألف جنيه مصري منذ عام 2016 وحتى يومنا هذا.
وفي ظل التضخم الذي ضرب كافة مناحي الحياة، وتضاعف تكاليف تذاكر الطيران وتكاليف الإقامة وتراخيص الأفلام الدولية والترجمة والتجهيزات الفنية، يصبح من العبث مطالبة القائمين على المهرجان بتقديم دورة تليق باسم مصر دوليا بميزانية متآكلة القيمة الشرائية.
إن بقاء هذا الرقم محلك سر لسنوات طويلة يعد دليلا قاطعا على أن التراجع ليس نتاج سوء إدارة، بل هو تجويع مالي متعمد أو غير مدروس.
بينما تُفتح خزائن الدعم لمهرجانات حديثة العهد، يُترك المهرجان العريق يصارع للبقاء، وهي مفارقة تعكس خللا هيكليا في ترتيب الأولويات الوطنية يجب تداركه فورا.
المثير للريبة في هذا الملف هو آلية اتخاذ القرار داخل أروقة اللجنة؛ حيث تشير المعلومات إلى أن إدارة المهرجان لم تتلق حتى اللحظة إخطارا رسميا بقرار المنع، بينما تم اعتماد مهرجانات أخرى في نفس الاجتماع.
هل أصبحت القرارات الثقافية تخضع لمعايير مزاجية؟ ولماذا لم تُعقد جلسات استماع للمسؤولين عن المهرجان قبل إصدار حكم الإعدام؟ إن غياب الشفافية في التعامل مع مؤسسة ثقافية بهذا الثقل التاريخي يطرح علامات استفهام كبرى حول الجدوى من اللجنة العليا للمهرجانات إذا كان دورها يقتصر على الهدم بدلا من التنسيق والتمكين.
إن سياسة المنع لا تخدم الثقافة المصرية، بل تضعف من تواجدها على الخريطة الدولية.
إن الحلول الحقيقية تكمن في إعادة النظر جذريا في الميزانيات المخصصة للمهرجانات الوطنية وربطها بمعايير تضخم واضحة، وتفعيل بروتوكولات تعاون مع كبرى الشركات الوطنية والقطاع الخاص بدلا من ترك المهرجانات رهينة لضعف الدعم الحكومي.
وإذا كانت هناك ملاحظات على الأداء، فليكن التدخل عبر ضخ دماء جديدة وتغيير آليات التنظيم، وليس عبر وأد المهرجان وإقصائه.
إن مهرجان الإسكندرية ليس مجرد تظاهرة فنية، بل هو جوهر القوة الناعمة لمصر مثل غيرة من الفاعليات التي تحمل اسم مصر، والحفاظ عليه واجب وطني.
إن ما يدعو للأسى حقا هو أن يأتي قرار الإلغاء في توقيت كان يجب فيه استثمار الزخم الكبير الذي شهدته الإسكندرية؛ فقد رأى العالم أجمع المدينة وهي تستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة تاريخية، حيث تجول في شوارعها، وزار قلعة قايتباي ومعالمها، وخرج للجري في أحيائها، موصلا رسالة عالمية عن الأمن والأمان والاستقرار الذي تنعم به مصر.
لقد كانت هذه الزيارة أضخم حملة ترويج سياحي لعروس المتوسط، وكان لزاما على وزارة الثقافة أن تقتنص هذا الزخم السياسي والدبلوماسي لتُطلق من خلال المهرجان رسالة ثقافية موازية.
إن معاول الهدم دائماً ما تكون أسرع من خطى البناء، وهنا يكمن الخطر؛ لذا كان لزاماً على الدكتورة جيهان زكي، بما تمتلكه من حس فنانة، وعمق مثقفة، وحقيبة وزيرة للثقافة، أن تدرك الأهمية القصوى لهذا المهرجان وتذود عنه.
فبدلاً من استثمار الانفتاح الدولي والبناء على نجاحات الدولة المصرية في استضافة القادة، نجد اليوم من يتسرع في وأد هذه المكاسب وتفويت فرص لا تعوض.
إن تساؤلاتنا لا تقف عند حدود القرار، بل تمتد لتطال الكواليس التي أنتجته؛ فمن حقنا أن نسأل السيدة الوزيرة: هل تخضع الميزانية المحدودة للمهرجان -وهي مليونا ومئتان وعشرون ألف جنيه- لمعايير تقييم واقعية؟ وهل يعقل أن يكفي هذا المبلغ لتلبية متطلبات الاستضافة الكاملة لضيوف المهرجان من نجوم وصناع سينما دوليين ومصريين في ظل الأسعار الراهنة؟ ألم يدر بخلد اللجنة أن استمرار هذا الشح المالي المتعمد هو الذي يضع المهرجان في حرج دائم أمام ضيوفه، وهو ما يتم استغلاله لاحقاً كمبرر للإلغاء؟ وهنا نضع أمام الرأي العام تساؤلاً أكثر جرأة: هل هناك من يسعون لخلق أزمات مصطنعة للمهرجان ليتسنى لهم تقديم دور بديل أو فرض أجندات مغايرة؟ وهل هؤلاء الذين يتربصون بميزانيته المتهالكة هم أنفسهم من يقفون خلف هذا القرار، مستغلين نفوذهم داخل اللجنة لإقصاء كيان عريق بدلاً من دعمه؟ إن الفنان لا يُحاسب المبدع على ضيق ذات اليد، بل يمد له يد العون ليسمو بإبداعه، فهل ستختار الدكتورة جيهان زكي، كفنانة ووزيرة، أن تكون نصيرة للفن أم شاهدة على وأده؟كان من الأفضل لمعالي الوزيرة أرجاء القرار ودعم المهرجان في دورته الثانية والأربعين وتدارك ما يمكن تداركه بالاصلاح، وأن تكون هناك لجنة لدراسة كيف يمكننا إقامة مهرجان الإسكندرية السينمائي في دورته الثالثة والأربعين، ليكون مهرجانا يعبر عن مصر وجمهوريتها الجديدة.
إننا ننتظر وقفة تصحيحية تنصف الإسكندرية السينمائي، وتبرهن على أن الجمهورية الجديدة تستثمر في تاريخها لتصنع مستقبلها، لا أن تهدم جسورها الثقافية مع العالم، فالمهرجانات تعيش بدعم الدولة واحتضانها، وليس بقرار منعها وإقصائها عن المشهد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك