العربي الجديد - يوفنتوس يخسر المهاجم فلاهوفيتش بفشل تمديد عقده وكالة الأناضول - إسرائيل تهجر 3 بلدات جنوبي لبنان رغم مساعي تثبيت الهدنة الجزيرة نت - مجلس النواب الأمريكي يتحدى ترمب ويدعم أوكرانيا وبوتين يلوّح بـ"أوريشنيك" CNN بالعربية - CNN تكشف إرسال إسرائيل قوات إلى أذربيجان خلال الحرب مع إيران Euronews عــربي - كل ما تحتاجه هو موعد رسمي: الإعلان عن اليوم العالمي الأول للبيتلز القدس العربي - الخلايا التائية المعدلة وراثيا تمنح مرضى الكلى أملا جديدا العربية نت - ضيوف الرحمن في أياد أمينة العربية نت - الورقة اللبنانية... الملاذ الإيراني الأخير في المعادلات الإقليمية قناة الجزيرة مباشر - باحث أمريكي: ترمب يفقد الدعم للحرب داخل حزبه قناة القاهرة الإخبارية - العالم في سانت بطرسبرج.. نقاشات حول مستقبل الاقتصاد الجديد| صباح جديد
عامة

نكبتان وذاكرة واحدة… من الجية إلى غزة يتكرر طريق الخوف واللجوء

القدس العربي
القدس العربي منذ أسبوعين
3

غزة – “القدس العربي”: لم تكن النكبة الفلسطينية حدثاً انتهى مع جيل واحد، بل تحولت إلى حكاية ممتدة عبر جيلين، يحمل كل منهما الشكل نفسه من الألم وإن اختلفت تفاصيل الزمن؛ جيل عاش الخروج الأول من البيوت وا...

ملخص مرصد
تجسد رواية المهندس حسني إبراهيم رحلة نزوح عائلته من قرية الجية الفلسطينية عام 1947، متكررة تفاصيلها في غزة اليوم. يتذكر طفولته في مخيمات اللجوء، حيث عانى الجوع والخوف والقصف، لكنه لم ينكسر. يقول حسني إن معاناته جعلته أكثر تمسكاً بمساعدة أهل غزة اليوم، لأن ما يعيشونه يشبه ما عاشه في طفولته.
  • حسني إبراهيم يتذكر نزوح عائلته من الجية إلى غزة عام 1947 وسط هجمات وقصف
  • عاش حسني الجوع والخوف في مخيمات اللجوء، وساعد أهل غزة اليوم بسبب تجربته
  • النكبة تتكرر في غزة اليوم بنفس تفاصيل الخوف والجوع وفقدان الأمان
من: حسني إبراهيم أين: الجية، غزة، مخيم المغازي

غزة – “القدس العربي”: لم تكن النكبة الفلسطينية حدثاً انتهى مع جيل واحد، بل تحولت إلى حكاية ممتدة عبر جيلين، يحمل كل منهما الشكل نفسه من الألم وإن اختلفت تفاصيل الزمن؛ جيل عاش الخروج الأول من البيوت والقرى، وجيل وُلد على أطراف اللجوء أو عاش نزوحاً جديداً يشبه ما سمعه من روايات الأجداد.

وبين ذاكرة قديمة وواقع متجدد، بقيت النكبة حاضرة كقصة لا تغيب، تعيد نفسها كلما فُقد بيت أو تكرر خوف أو امتد طريق جديد من التيه.

ولم تكن رحلة النزوح الأولى التي عاشها المهندس حسني إبراهيم في نهاية 1947 مجرد ذكرى بعيدة يمكن أن ينساها مع مرور السنوات، بل بقيت تفاصيلها تسكن داخله كأنها حدثت بالأمس.

يتذكر كيف بدأ الخوف يقترب من قريتهم الجية حين اشتدت هجمات العصابات الصهيونية على قرية سمسم المجاورة، فصار الناس يسمعون أصوات الرصاص ويرون أعمدة الدخان ترتفع في السماء، فيدركون أن الخطر بات أقرب من أي وقت مضى.

يومها لم يكن أحد يتخيل أن الخروج سيكون طويلاً إلى هذا الحد، فقد غادرت العائلات بيوتها وهي تظن أن الغياب لن يتجاوز أياماً قليلة قبل العودة، لكن الأيام تمددت وتحولت إلى عمر كامل من اللجوء والتيه.

“النكبة ليست ذكرى بعيدة في كتاب تاريخ، بل وجع يتكرر كلما فقد الناس بيوتهم وأمانهم وحقهم البسيط في الحياة”فخرجت العائلة من الجية واتجهت نحو قرية نعليا، حيث أقاموا خمسة شهور وسط خوف لا يتوقف.

كانت الحياة قاسية والقلق يلاحقهم في كل لحظة، لكنهم حاولوا التمسك بأي شعور بالأمان.

ومع ازدياد الهجمات لم يعد البقاء ممكناً، فجمع والده الأسرة بسرعة وأخذوا معهم ما استطاعوا حمله فقط.

كانت هناك عربة يجرها حمار وبقرة وكيس طحين وكيس بصل وقليل من الماء، أما الطريق فكان مجهولاً لا يعرف أحد نهايته، لكن الجميع كان يمشي هرباً من الموت.

ويتذكر حسني نفسه طفلاً صغيراً يسير على طول الشاطئ من نعليا باتجاه غزة، وهو يردد طوال الطريق: “تعبت جوعان”.

كان يشعر أن المسافة لا تنتهي، وأن التعب أكبر من جسده الصغير، بينما كان والده يحاول تهدئته قائلاً: “اصبر يا ابني، هان وصلنا”.

فظلوا يمشون تحت الخوف والتعب حتى وصلوا إلى منطقة السودانية شمال غزة، وهناك توقفوا قرب البحر بعدما أنهكهم الجوع.

فطلب والده من أمه أن تعجن الطحين وتخبز لهم خبزاً على النار.

ويتذكر تلك اللحظة وكأنها واحدة من أثمن ذكرياته رغم بساطتها: خبز وبصل وملح فقط، لكن الجوع جعل تلك الوجبة تبدو كأنها وليمة كبيرة.

وبعدها أكملوا طريقهم إلى دير البلح، حيث كان والده يبيع القمح مع أخيه الأكبر حسين.

كان القمح قد خزنته جدته في الجية وجلبته معها بعد النزوح.

وفي أحد الأيام، بينما كانا في السوق، ظهرت طائرتان تحومان في السماء، شعر والده بالخطر وطلب من حسين أن يعودا بسرعة إلى البيت، لأن الطائرات قد تقصف المكان، وما إن ابتعدا حتى وقع القصف بالفعل، واستشهد أكثر من أربعمئة شخص، بينهم زوج عمته، فتحول المكان في لحظات إلى مشهد مليء بالدخان والصراخ والفقد.

لاحقاً، انتقلت العائلة إلى مخيم المغازي بعدما سمعوا أن وكالة الغوث تقدم مساعدات هناك.

يتذكر حسني الخيمة الضيقة والجوع القاسي والبرد الطويل، ويتذكر كيف كان أحياناً ينتظر قرب الفرن بينما تخبز أمه الخبز، فيجد خبزة يابسة فيبللها بالماء ويأكلها ليسكت جوعه.

وحتى المدرسة لم تكن سوى مكان بسيط يجلس فيه على حجر، بلا كهرباء ولا راحة ولا أدنى مقومات الحياة.

ورغم كل تلك القسوة، لم تنكسر روحه.

ويقول المهندس حسني إن تلك المعاناة جعلته أكثر تمسكاً بالحياة وأكثر شعوراً بوجع الناس، لذلك سخر كل إمكانياته وخبرته لمساعدة أهل غزة اليوم، لأن ما يعيشه الناس الآن يشبه تماماً ما عاشه عندما كان طفلاً خائفاً جائعاً يبحث فقط عن الأمان.

ولم يكن النزوح في غزة يوماً عادياً يمكن للذاكرة أن تتجاوزه بسهولة، بل كان لحظة انكسار طويلة بدأت منذ الخطوة الأولى خارج بيت وردة الشنطي، فخرجنا ونحن نحمل بعض الملابس وأشياء صغيرة ظننا أننا سنعود لأخذ غيرها بعد أيام قليلة، لكن الأيام تمددت كأنها عمر كامل من الخوف والتيه.

كانت الشوارع مكتظة بالناس، والوجوه شاحبة كأنها فقدت ملامحها من شدة الصدمة، أطفال يبكون دون توقف، وأمهات يجررن أبناءهن بخوف، ورجال يمشون بصمت ثقيل يشبه العجز.

“امرأة تقسم قطعة خبز صغيرة بين أطفال كثيرين، ورجل يشارك ماءه مع غرباء، وطفل يبتسم للحظة وسط الركام”فكان صوت القصف يطاردنا أينما ذهبنا حتى صار جزءاً من أنفاسنا، وكل انفجار كان يهز القلوب قبل الأرض، ويترك داخلنا شعوراً دائماً بأن الموت قريب جداً.

فكنا نلتفت حول بعضنا كل لحظة بحثاً عن مكان آمن، لكن الأمان بدا وكأنه اختفى من العالم كله؛ فالسماء مغطاة بالدخان، والبيوت التي عرفناها تحولت إلى أكوام من الحجارة والرماد، حتى الهواء كان ثقيلاً يحمل رائحة الحريق والخوف والدموع.

ففي أماكن النزوح لم يكن هناك ما يكفي للحياة، والخيام الضيقة كانت تزدحم بالعائلات، والبرد يتسلل إلى العظام في الليل الطويل، والجوع كان أقسى ما واجهناه، لأنه لا يرحم أحداً ولا يمنح القلب فرصة للراحة، فأكلنا الطحين المليء بالسوس والدود، لأن المعدة الخاوية لم تعد تميز بين الطعام الفاسد والجيد، فكنا ننخل الطحين بأيد مرتجفة، ثم نخبزه على نار ضعيفة، بينما تمتزج رائحة الخبز برائحة الرطوبة والتعب.

وحين نفد كل شيء، صار الناس يغلون أوراق الشجر اليابسة، ويقتسمون أعلاف الحيوانات كما لو أنها وجبات حقيقية، فقط ليبقوا أحياء حتى صباح آخر.

وأما المرض فكان وجهاً آخر للمأساة؛ الأطفال ترتفع حرارتهم طوال الليل، والأمهات عاجزات عن فعل شيء سوى البكاء والدعاء، لم تكن هناك أدوية ولا مستشفيات تتسع لهذا العدد الهائل من المتعبين، فصارت الكمادات الباردة وسيلتنا الوحيدة لمقاومة الحمى، وصارت الأعشاب اليابسة علاجاً نتمسك به كآخر أمل، وكنا نراقب الوجوه الشاحبة ونسمع أصوات السعال والأنين في كل زاوية، حتى بدا المكان كله وكأنه غرفة ألم كبيرة لا تنتهي.

وفي خضم هذا الخراب، كنت أسمع حكايات النكبة القديمة، فأشعر أن الزمن يدور في دائرة مغلقة.

ربما تغيرت السنوات والوسائل، لكن الخوف بقي نفسه، والجوع بقي نفسه، وحتى الدموع بدت متشابهة، فأدركت أن النكبة ليست ذكرى بعيدة في كتاب تاريخ، بل وجع يتكرر كلما فقد الناس بيوتهم وأمانهم وحقهم البسيط في الحياة.

ورغم كل شيء، بقي الناس يحاولون التمسك بالحياة.

امرأة تقسم قطعة خبز صغيرة بين أطفال كثيرين، ورجل يشارك ماءه مع غرباء، وطفل يبتسم للحظة وسط الركام.

ووسط كل هذا السواد، كان هناك شيء صغير يقاوم الانطفاء، يشبه نوراً بعيداً يرفض أن يموت مهما اشتدت العتمة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك