في 30 آذار 2026، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى برلين في زيارة رسمية التقى خلالها المستشار الألماني فريدرتش ميرتس، بعد أشهر من إلغاء زيارة سابقة بسبب التوتر الأمني بالشمال السوري.
وقبلها بأشهر، أصبح الشرع أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض منذ سقوط نظام الأسد، في وقت كانت العواصم الغربية تحاول صياغة مقاربة واضحة تجاه الرجل الذي انتقل من قيادة تنظيم جهادي إلى رئاسة الدولة السورية.
فضلاً عن لقاء الشرع بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس في أيار 2025.
لكن السؤال الذي ظل مطروحاً داخل الأوساط السياسية الغربية هو: كيف ينبغي فهم النظام السوري الجديد وقائده؟يحاول كتاب جديد بعنوان Transformed by the People (تحوّل تحقق على يد الشعب) للمؤلفين باتريك هيني وهو باحث سويسري، والفرنسي جيروم دريفون تقديم إجابة لهذا السؤال عبر تتبع المسار الذي حول هيئة تحرير الشام من تنظيم ارتبط في السابق بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية إلى تلك القوات التي أطاحت بنظام الأسد في كانون الأول 2024.
يعتمد الكتاب على سنوات من العمل الميداني والمقابلات التي أجريت داخل سوريا، ويهدف إلى تفسير آليات التحول الفكري والسياسي داخل هيئة تحرير الشام، وليس فقط وصف صورتها الحالية.
يرى المؤلفان أن نقطة التحول الأساسية تتمثل بما أسمياه بـ" إعادة التموضع المحلي" داخل محافظة إدلب، حيث اضطرت الهيئة إلى التكيف مع المجتمع المحلي وقيمه الاجتماعية والدينية.
وبحسب الكتاب، لم يكن سكان إدلب يتبنون فكراً جهادياً عابراً للحدود، رغم طابعهم الديني المحافظ، ما فرض على الهيئة ابتعاداً تدريجياً عن أيديولوجية الجهاد العالمي، ثم الانخراط في قضايا الإدارة المحلية والحكم بشكل أكبر.
ويصف الباحثان هذا التأثير بمصطلح" جمود المجتمع" أو" ثبات البنية الاجتماعية"، ويقصد بذلك قدرة المجتمع المحلي على فرض معاييره وقيمه على الجماعات المسلحة ودفعها إلى التكيف مع البيئة المحيطة.
ويرى المؤلفان أن المرونة الفكرية التي تتمتع بها هيئة تحرير الشام، وابتعادها عن تصدير عقيدة جامدة صارمة، ساعداها على تعديل خطابها وسلوكها بصورة تدريجية، مقارنة بتنظيمات جهادية أخرى أكثر تشدداً من الناحية الأيديولوجية.
يستعين الكتاب بمفهوم (اللحظة الترميدورية)، المستمد من تجربة الثورة الفرنسية، والذي يشير إلى أن الحركات الثورية تميل إلى التكيف مع متطلبات الحكم والواقع السياسي بعد وصولها إلى السلطة، حتى وإن لم تتخلَّ بالكامل عن دوافعها الأيديولوجية الأصلية.
وفي مقارنة لافتة، يشبّه المؤلفان تطور هيئة تحرير الشام ببعض أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية، التي تبدأ بخطابات متشددة وأيديولوجية صارمة، لكنها تميل إلى الاعتدال النسبي كلما اقتربت من السلطة وتحملت مسؤوليات الحكم.
ويرى الباحثان أن ما حدث مع الهيئة يعكس دينامية مشابهة، إذ دفعتها ضرورات الإدارة المحلية والتعامل مع المجتمع والسعي إلى الشرعية الدولية لتبني خطاب أكثر براغماتية.
قراءة مختلفة لنشأة" جبهة النصرة"من أبرز النقاط التي يطرحها الكتاب إعادة تفسير نشأة" جبهة النصرة"، التي كانت النواة الأولى لهيئة تحرير الشام.
فعلى خلاف الروايات الشائعة التي تعتبر أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق أو تنظيم القاعدة لعبا الدور المركزي في تأسيس الجبهة، يرى المؤلفان أن أحمد الشرع نفسه كان صاحب المبادرة الأساسية في تأسيسها منذ البداية.
ويعتبر الكاتبان أن هذه القراءة تساعد على فهم الانقسام اللاحق بين القاعدة وتنظيم الدولة من جهة، وهيئة تحرير الشام من جهة أخرى، وإن كانا يشيران إلى ضرورة قراءة هذه الرواية إلى جانب تفسيرات أخرى متداولة في الأدبيات المتخصصة.
يخلص الكتاب إلى أن تجربة هيئة تحرير الشام لا يمكن تحويلها إلى" نموذج جاهز" لفهم كيف تتخلى الجماعات الجهادية الأخرى عن تطرفها، لأن التحول الذي مرت به الهيئة كان نتاج ظروف سورية محلية معقدة واستثنائية.
ومع ذلك، يرى المؤلفان أن فهم هذا التحول ضروري لفهم سوريا الجديدة، خصوصاً أن الهيئة أصبحت اليوم القوة الحاكمة في البلد بعد سقوط نظام الأسد.
ويصف الكتاب تجربة الهيئة بأنها نتاج تفاعل طويل بين البيئة الاجتماعية المحلية ومتطلبات السلطة والتحولات السياسية والعسكرية التي فرضتها الحرب السورية.
ورغم الإشادة الكبيرة التي يحظى بها الكتاب من حيث العمق البحثي والأسلوب، يشير باحثون إلى أنه يفترض معرفة القارئ المسبقة بتاريخ سوريا والحركات الجهادية العالمية وسماتها الأساسية، ما جعل هذا الكتاب أقرب إلى الأعمال المتخصصة منه إلى الكتب التمهيدية العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك