أعاد برلمان غرينلاند المحلي (إيناتسيسارتوت) رسم قواعد حيازة الأسلحة في الجزيرة القطبية عبر تعديل تشريعي جديد يُعد الأكبر منذ عام 1992، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين ثقافة صيد متجذّرة ومخاوف متزايدة من حوادث السلاح في مجتمع لا يتجاوز عدد سكانه نحو 57 ألف نسمة.
وتعيش غرينلاند، التابعة لمملكة الدنمارك، وضعاً خاصاً في ما يتعلق بانتشار الأسلحة داخل المنازل، إذ يرتبط اقتناؤها تاريخياً بنمط حياة الإينويت القائم على الصيد في بيئة قطبية قاسية، حيث تُستخدم البنادق أداةً معيشيةً أساسية أكثر من كونها وسيلة عنف.
وبحسب القانون الجديد، الذي أقرّه برلمان الحكم الذاتي في العاصمة نوك، أول من أمس الأربعاء، سيتم تحديد سن أدنى لحيازة السلاح عند 15 عاماً، مع إدخال نظام" المرافقة" الذي يسمح للأطفال بين 12 و15 عاماً بالمشاركة في الصيد برفقة شخص بالغ يحمل ترخيصاً سارياً.
كما ينص التعديل على إلزامية تخزين الأسلحة والذخيرة بشكل منفصل، في خطوة تهدف إلى الحد من الحوادث المنزلية.
ورغم تأييد غالبية الأحزاب للتعديل، يتطلب دخوله حيّز التنفيذ موافقة البرلمان الدنماركي، في إطار العلاقة الدستورية بين كوبنهاغن ونوك.
ويأتي هذا التشديد بعد سنوات من النقاش بين وزارة العدل الدنماركية وحكومة غرينلاند بدأ منذ عام 2018، على خلفية تقارير رسمية عن حوادث إطلاق نار عرضي ومحاولات قتل وحالات انتحار، ما أعاد طرح مسألة تنظيم السلاح في الجزيرة.
لكن التعديل يثير مخاوف محلية من تأثيره على تقاليد الصيد، حيث يمارس بعض الأطفال الصيد في سن مبكرة ضمن إطار عائلي.
ويؤكد مسؤولون أن التحدي يتمثل في الحفاظ على الإرث الثقافي مع تعزيز معايير السلامة.
وفي السياق الغرينلاندي، لا يُنظر إلى السلاح بوصفه ظاهرة انتشار عشوائي، بل بوصفه جزءاً من بنية اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالصيد في مناطق نائية ومعزولة، فيما ترى السلطات أن تحديث القانون أصبح ضرورياً للحد من المخاطر من دون المساس بجوهر التقليد.
لا يظهر العنف جريمةً منظمةً أو ظاهرة حضرية في غرينلاند، وإنما نتاج شبكة اجتماعية معقدة يتداخل فيها الإدمان بالعزلة الجغرافية والتحولات الثقافية السريعة.
وفي هذا الإقليم القطبي الواسع قليل الكثافة السكانية، يتخذ العنف غالباً طابعاً منزلياً داخل دوائر مغلقة.
في قلب الصورة يقف تناول الكحول بوصفه عاملاً مركزياً.
فالإدمان عليه لا يُختزل في كونه مشكلة فردية، بل يُنظر إليه على أنه مضاعف لهشاشة اجتماعية أوسع.
وتشير تقارير محلية ودنماركية إلى ارتباطه بالعنف الأسري والإهمال العائلي وحوادث خطيرة، بما في ذلك الاعتداءات على القصر داخل الأسرة وحالات الانتحار.
وتُعد معدلات الانتحار في غرينلاند من بين الأعلى عالمياً نسبةً إلى عدد السكان، خصوصاً بين الشباب الذكور، ما يعكس تراكم ضغوط نفسية وضعف فرص اقتصادية وتآكل الروابط الاجتماعية.
ولا يمكن فصل هذه الظواهر عن السياق التاريخي الأوسع، إذ شهد المجتمع الإينويتي انتقالاً سريعاً من نمط حياة قائم على الصيد المتنقل إلى بنى مؤسسية حديثة مرتبطة بالدنمارك، ما أوجد فجوة بين الأجيال وأحياناً شعوراً بالاغتراب.
ويعبّر بعض الشباب عن هذا التوتر بوصفه امتداداً لعلاقة تاريخية غير متوازنة مع الدنمارك، تتقاطع فيها الذاكرة الاستعمارية مع الحاضر السياسي.
كما تلعب العزلة الجغرافية دوراً حاسماً، إذ إن تباعد البلدات وضعف خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي يحدّان من فعالية الاستجابة لحالات الإدمان والعنف.
علاقة مجتمع غرينلاند بالسلاحتُظهر البيانات أن الفوارق بين الدنمارك وألاسكا وغرينلاند لا تتعلق بالتشريع فقط، بل بالبنية الاجتماعية ومستويات العنف المرتبط بالأسلحة.
في الدنمارك، تُعد معدلات العنف المسلح من بين الأدنى عالمياً، مع تسجيل نحو 20 إلى 40 حالة وفاة سنوياً مرتبطة بالأسلحة النارية في بلد يصل عدد سكانه لنحو 6 ملايين نسمة، ما يعكس رقابة صارمة على السلاح.
أما في غرينلاند، فمعدلات الانتحار تُعد من الأعلى عالمياً، إذ تصل في بعض السنوات إلى 60–80 حالة لكل 100 ألف نسمة.
ويرتبط جزء منها باستخدام السلاح، إلى جانب الإدمان والعزلة وصعوبة الوصول إلى خدمات الصحة النفسية.
وفي ألاسكا، تسجل الولاية الأميركية القريبة معدلات مرتفعة نسبياً من الوفيات المرتبطة بالأسلحة النارية، بمتوسط يقارب 20–25 وفاة لكل 100 ألف نسمة سنوياً، تشمل الانتحار والحوادث والجرائم، بفعل الريف الواسع وضعف الخدمات.
ورغم اختلاف السياقات، يبقى القاسم المشترك أن السلاح في البيئات النائية لا يرتبط فقط بالجريمة، بل أيضاً بالانتحار والحوادث العرضية، ما يجعله ظاهرة اجتماعية بقدر ما هو ملف أمني.
فيما تحاول غرينلاند إعادة تعريف علاقتها بالسلاح والعنف، بين الحفاظ على تقاليد الصيد عند الشعب الأصلي وتشديد معايير السلامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك