في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا الحديث، أصبح الاهتمام منصباً على الجروح العميقة والانقسامات المعقدة التي تعصف بهذا البلد، حتى باتت فرص بقاء سوريا كدولة موحدة موضع شك كبير.
لكن التركيز الشديد على مظاهر التفكك قد يحجب تطوراً مهماً يحدث بكل هدوء؛ لأن السوريين أصبحوا اليوم، بخلاف التوقعات، يتمتعون بتشاركية في مجال الخبرة السياسية والتاريخية أكثر مما كانوا عليه في أي مرحلة سابقة من تاريخهم الحديث.
في كانون الأول 2024، تخلص السوريون من حكم آل الأسد بعد 54 عاماً من سيطرة النظام الذي أسسه حافظ الأسد، وحوّل من خلاله البلد إلى واحدة من أشد الدول البوليسية قمعاً في التاريخ المعاصر.
وجاءت الضربة الأخيرة لنظام بشار الأسد عبر هجوم خاطف شنّته فصائل معارضة، فمهد ذلك الطريق أمام مرحلة جديدة لهذا البلد الذي أنهكته الحرب.
ورغم الآمال التي سادت في الأسابيع الأولى من المرحلة الانتقالية بإمكانية تحقيق عبور هادئ نحو الاستقرار، فإن تلك التوقعات سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً.
فالانقسامات التي غذّاها نظام الأسد على مدار عقود، وظهرت بوضوح خلال سنوات الحرب، تفاقمت مجدداً بفعل ممارسات أطراف رسمية وغير رسمية خلال عام 2025.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن السوريين باتوا يمتلكون قاسماً مشتركاً أكبر من أي وقت مضى منذ سقوط الدولة العثمانية في عام 1918، ما قد يمنحهم فرصة حقيقية لإطلاق مشروع وطني جديد قادر على الصمود أمام الأزمات المقبلة، وصياغة مفهوم حديث للدولة السورية.
لطالما بدا الحديث عن" أمة سورية" أمراً غير مألوف داخل سوريا نفسها، فكلمة" أمة" ارتبطت تقليدياً بمشاريع أوسع من الدولة السورية الحديثة، مثل الأمة العربية أو الإسلامية أو فكرة" سوريا الكبرى"، في حين استُخدم مفهوم" الوطن" للإشارة إلى الدولة القائمة ضمن حدودها الحالية.
ثم إن السوريين لم يرسموا حدود دولتهم بأنفسهم، بل تشكلت تلك الحدود بفعل التفاهمات البريطانية-الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى.
وبعد انهيار الدولة العثمانية، حاول السوريون تأسيس ملكية دستورية بقيادة الأسرة الهاشمية، غير أن المشروع أُجهض سريعاً مع فرض الانتداب الفرنسي الذي استمر 26 عاماً.
وعقب الاستقلال في عام 1946، انشغل كثير من السياسيين والنخب بمشاريع الوحدة الإقليمية أكثر من تركيزهم على ترسيخ الدولة السورية الناشئة.
فشهدت البلاد محاولات متكررة للاندماج في كيانات أوسع، سواء ضمن المشروع الهاشمي أو عبر مشروع" سوريا الكبرى" الذي تبناه الحزب السوري القومي الاجتماعي، أو من خلال الحلم القومي العربي الذي قاده الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
وفي عام 1958، دخلت سوريا في وحدة مع مصر تحت اسم" الجمهورية العربية المتحدة"، وهي تجربة انتهت بعد ثلاث سنوات ونصف فقط، بعدما اعتبرها كثير من السوريين تجربة كارثية همّشت دور دمشق وحولت سوريا إلى مجرد (إقليم شمالي).
وعقب الانفصال في عام 1961، حملت البلاد اسم" الجمهورية العربية السورية" رسمياً، في محاولة للتأكيد على انتمائها القومي العربي.
من القومية إلى الدولة الأمنيةبالتدريج خضعت سوريا، مثلها مثل دول عربية أخرى، لحكم عسكري استبدادي.
وعلى مدى ثلاثة عقود، رفع حافظ الأسد شعارات الوحدة العربية، في حين ركّز عملياً على بناء دولة أمنية معقدة رسخ من خلالها حكم الفرد.
ورغم المشاريع الاتحادية التي طُرحت مع مصر والعراق وليبيا، فإن أياً منها لم يبصر النور بسبب الصراع على النفوذ والسلطة.
وبمرور الوقت، تراجع الحماس الشعبي للمشاريع فوق الوطنية، وحل محل هذا الحماس شكوك متزايدة حول قدرة تلك المشاريع على تحقيق الاستقرار أو التنمية أو الحكم التمثيلي.
قبل عام 2011، ظن معظم السوريين أنهم بمنأى عن أزمة الهوية والانقسامات الطائفية التي شهدتها دول مجاورة مثل لبنان والعراق.
لكن اندلاع الثورة السورية كشف هشاشة هذا الاعتقاد، وأظهر أن فكرة التعايش التي فرضها النظام لم تكن سوى قشرة تخفي خلفها صدوعاً عميقة.
فنظام الأسد بقي على مدار سنوات طويلة يقدم نفسه كحامٍ للأقليات، على الرغم من أنها لم تتعرض لتهديد وجودي مباشر، إلا أن النظام البائد كان يسعى من خلال ذلك لتثبيت شرعيته داخل سوريا وخارجها، ولقد أسهم ذلك في ترسيخ حالة انعدام الثقة بين مكونات المجتمع السوري، وهكذا دفع التخوف من البديل الإسلامي المتشدد كثيراً من السوريين إلى تقبل النظام البائد باعتباره أهون الشرين.
مع الفوضى التي أعقبت الثورة، سعت المكونات المختلفة إلى تعزيز استقلاليتها.
فالأكراد، الذين حُرموا طويلاً من حقوقهم الثقافية والمدنية، عملوا على تثبيت حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع، في حين فضّل الدروز الابتعاد عن سلطة المركز والتجنيد الإجباري.
وبعد سقوط النظام، ترددت هذه المجموعات وغيرها في التخلي عن المكاسب التي حققتها خلال الحرب، خاصة مع وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة بقيادة أحمد الشرع، الذي أصار رئيساً للبلد في مطلع عام 2025.
ورغم تعهد الشرع بأنه سيكون رئيساً لجميع السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية، فإن الانفتاح السياسي النسبي بعد سقوط النظام كشف عمق الانقسامات والخطابات المتناحرة التي تراكمت عبر سنوات الحرب، مع تصاعد أعمال العنف الطائفي والعرقي وخطاب الكراهية على الأرض وفي الفضاء الإلكتروني.
ويرى مراقبون أن عقود القمع والانتهاكات والاعتقالات والتغييب القسري خلفت ندوباً عميقة في المجتمع السوري، كما أن بطء مسار العدالة الانتقالية جعل التصدي لأي عملية انتقام جماعي مسألة غاية في التعقيد.
ورغم ذلك، فإن بروز الاختلافات إلى العلن لا يُعد مؤشراً سلبياً بالضرورة.
فالصمت الذي فرض في عهد الأسد، والابتعاد عن طرح الفوارق الاجتماعية والثقافية للنقاش، كان بحد ذاته عاملاً مدمراً للحياة العامة.
واليوم، يعلن السوريون والمجتمع الدولي تمسكهم بالحفاظ على وحدة سوريا ضمن حدودها الحالية.
لكن تحقيق هذا الهدف يحتاج لبناء هوية وطنية تستند إلى التجربة المشتركة للسوريين، لا إلى شعارات التجانس القسري، بما أن أجيالاً بكاملها عاشت التجارب نفسها، من البيروقراطية الخانقة، مروراً بالفقر والنزوح والقصف وفقدان الأحبة، وصولاً إلى اللجوء والتعرض للتمييز في بلاد اللجوء، وفي ذلك معاناة مشتركة رسمت معالم جزء كبير من الهوية السورية الحديثة.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن ضرورة تعاطي سوريا بواقعية مع حدودها الحالية، من دون التخلي عن امتداداتها الثقافية العربية والإسلامية.
ويرى بعض المثقفين أن العودة إلى اسم" الجمهورية السورية" بدلاً من" الجمهورية العربية السورية" يمكن أن يوجه رسالة انفتاح تجاه بقية المكونات العرقية، من دون أن ينتقص ذلك من الهوية العربية، بما أن العرب يشكلون غالبية السكان في سوريا.
ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن سوريا الحديثة يمكن أن تكون دولة متعددة اللغات والقوميات والثقافات، تحتفي بتنوعها بدلاً من اعتباره مصدراً للتهديد والخطر، فسوريا، بحسب هذا التصور، قادرة على الجمع بين التقاليد العربية الكلاسيكية والانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى، بما فيها الكردية والأرمنية والسريانية، وذلك ضمن هوية وطنية جامعة.
ولكن، في بلد أثقلته الحرب والانقسامات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح السوريون في تحويل معاناتهم المشتركة إلى أساس لوطن جديد أشد تماسكاً؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك