ظروف وأحوال وسياقات جعلت من حركة فتح، واحدة من أهم الحركات السياسية التي عرفها الفلسطينيون والعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، كان في طليعتها أنها قد جاءت كاستجابة في لحظة حرجة وحساسة للرد على احتلال فلسطين وسبيها.
قوة فلسطين الروحية والتاريخية التي تجد صداها العميق في السماوي كما شاءت أقدارها، وجرحها الفعلي والرمزي الذي أصاب وعي ووجدان أمم وعالم، منح حركة فتح كما غيرها من الحركات الفلسطينية الأخرى كل في نحو يخصها، أهمية وحضورا وقدرة ومساحات دور، تتجاوز بكثير قدراتها وطاقاتها الفعلية، ومنحتها قيمة اسمية ورمزية ثمينة، كان لها سعر صرف سياسي ومعنوي في التاريخ، وظل لهذه القيمة دور تؤديه في حياة الحركة، في السراء والضراء وحين البأس الشديد.
ورغم تكسر الطرقات والمسارات والآفاق السياسية، إلا أن فتح ما زالت – كما هي عليه – حاجة عند مختلف الأطراف المعنية بالصراع وضرورة يريدها الجميع كل من زاوية تخصه.
فتح، التي لم تعرف ثقافة التأطير التنظيمي والهيكلي والفكري على معهود الأحزاب السياسية، لا القديمة منها ولا المعاصرة معا، وتمسكت بهدف تحرير فلسطين وعملت على انعتاق كفكرة جامعة من دون ان تحشر نفسها في إطار أيديولوجي محدد، وكان لها خطاب مرن قادر على احتواء كل المؤمنين في فلسطين دون أن تطلب منهم التخلي عن معتقداتهم أو تصوراتهم، واتسمت بالبساطة وسهولة الالتحاق بها أو مغادرتها، وكان فيها مساحة من الحرية والفوضى تصل إلى حد التسيب، وتوافقت مع الطبيعة العامة للشعب الفلسطيني واستعداداته وطريقة وعيه وإدراكه، ولم تطرح على نفسها مهمة تأطيره واخذه نحو أفق آخر وطريقة تفكير أخرى أكثر عمقا، واعتمدت في سلوكها على المحاولة والتجريب وليس التصميم الحازم والتخطيط الدقيق في عملها من أجل تحقيق الهدف.
كل هذه الخصائص وغيرها على ما لها – وهو كثير وعلى ما عليها وهو أكثر- جعلها الحركة الوطنية الاهم والاكبر، والمسؤولة الأولى عن انجازات المسار الفلسطيني المعاصر وعن اخفاقاته ايضا.
متغيرات كثيرة جرت في حياة الحركة وخصوصا ما بعد اتفاق أوسلو عام 1993 اخذتها نحو التباسات شتى ترتبت عنها: حالة التفارق الواسع بين خياراتها السياسية التي صارت مغامرة مكلفة من جهة، والمنطلقات الثقافية العميقة التي تحكم وجدان الفلسطينيين الجمعي من جهة أخرى، وما كان لهذا التفارق الذي يصيب الوضع الفلسطيني برمته ويتسبب في إنتاج أهم أزماته البنيوية، وما له من اصداء عميقة ما زالت تتردد وتعاني منها فتح أكثر من غيرها، قياسا إلى سعة دورها في تحديد الخيارات السياسية للفلسطينيين.
وفي خضم أزمنة الأزمة واجهت فتح فيما واجهت تحديا مثلته حركة حماس، التي أفصحت عن طموحات لا حد لها في السيطرة والهيمنة على المشهد الفلسطيني، إلا أن فتح ظلت بالرغم من كل ذلك – حتى الآن – الفاعل السياسي الأهم في الشأن الفلسطيني.
فتح التي تجوز فيها أوصاف كثيرة والتي تبدو كحركة بمعنى ما، وحشدا وتيارا وساحة أكثر مما هي حركة في كثير من الأحيان، أظهرت في موروثها عصيانا ملحوظا إزاء واحد من أهم قوانين العمل السياسي في التاريخ، المتمثل في استخلاص العبر والدروس من تجاربها، ولم تكن على علاقة حيوية وطيبة مع ثقافة التعديل وأهميته للحياة بجلالة قدرها، ولكل كائن وبنية معنية بالاستمرار وكفاءة التعاطي مع الواقع، وتعودت على أن تكون أيامها طويلة وغدها الموعود بعيدا، ولم تصغ كما يجب في سلوكها وممارساتها لموعظة محمود درويش التي وجهها للوعي الفلسطيني برمته يوما، عندما دعاه كي يتجه من الراهن المأزوم نحو المستقبل بدل ممارسة «الحنين لماضي يجعله الحاضر المتوتر سيدًا للأيام».
فتح بكل ما لها وما عليها، تقف اليوم كفاعل سياسي في مواجهة تحديات لا حصر لها، في لحظة شاقة ومعقدة على المستوى الفلسطيني ومستوى الصراع مع الاحتلال والحلف الذي يقف وراءه، وطموحاته الايديولوجية والاستراتيجية والسياسية التي يفصح عنها علنا، والتي تستبعد الفلسطينيين وحقوقهم معا، وفي مواجهة لحظة اقليمية دولية مركبة، تلقي بأثقالها وآثارها على الجميع، وتعيد تشكيل الإقليم برمته وفي صميم ذلك ستكون فلسطين ومصيرها هي المؤشر والدلالة على هوية الحقبة التي تتشكل على عين الجميع.
قد تكون القيمة الأساسية لانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، أنه يمثل فرصة واسعة للنقاش حول دورها ومختلف القضايا الحادة والشائكة التي تمر بها الحركة وشعبها في الإقليم برمته.
ما يتوفر بحوزة حركة فتح ذات الطابع البسيط في جانب والمضمون المعقد في جانب آخر، وما هو بين يديها يتمثل في: الاستثمار بخيال وروح تاريخية واستراتيجية عميقة في قيمتها الاسمية والرمزية، ليس على مستوى التعبئة والخطابات التي تتحول إلى أصوات هائمة في طبقات الجو العليا بلا صدى فعلي في الواقع، بل الاستثمار في مستوى البنية وما يفرضه ذلك من إعادة بناء للهيكل والخطاب والممارسات من جهة.
واستخراج ما يوجد في متنها المستبعد في يومياتها وما فيه من خير وطني على نحو منظم من جهة ثانية.
وبلورة طريقة تفكير وعمل جديدة تقطع مع أساليب التفكير القديمة التي لم تكن، ولم تعد، صالحة في التعامل مع الواقع ومشكلاته من جهة ثالثة.
وبلورة خطاب ورؤية تكون على علاقة انسجام بين: السياسي والمدخرات الثقافية للشعب من جهة رابعة، لأن كتابة نص فلسطين السياسي في الزمن والواقع، لن تكون سوية ومقبولة وآمنة من دون ارتباطه بنصها الثقافي الأصيل.
الواقع القائم الذي لا يحتاج لخبراء أو فقهاء لتشخيصه، إنه يقول على طريقة بسيطة وحادة أيضا، إن بديل المتطلبات التي تقوم أمام حركة فتح وتحتاج للمعالجة، سيكون، تفسخا في المعنى وضمورًا في الدور، وعندها تصير الخسارة هي الرابح الوحيد، تخسر الحركة نفسها ويخسر شعبها ويخسر حتى بديلها أو خصمها السياسي الشريف إن وجد.
*كاتب واستاذ جامعي من فلسطين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك