أمضيت ليلة كانت تخايلني كثيرا من قبل، ويأخذني عنها الكثير مما حولي، أو مما اقرأ من جديد الفكر والإبداع.
كانت الليلة بمناسبة مرور مئة سنة، علي ميلاد المفكر المناضل الراحل سعد زهران، أقامها ابنه الكاتب فريد زهران رئيس اتحاد الناشرين المصريين، ورئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وصاحب دار المحروسة، وكانت في «مكتبة البلد» وسط القاهرة، ليعلن فيها عن مشروعين جديدين.
الأول هو لقاء فكري متجدد حول كثير من الغياب في قضايا الفكر أو من الناس، والثاني مسابقة فكرية تحمل اسم سعد زهران.
السؤال الذي راودني كثيرا، هو كيف صار أدب السجون في مصر والعالم العربي، رافدا مهما في حياتنا، وكيف تقريبا غاب رغم السجون، وهي المذكرات التي تتناول تجربة الاعتقال، إنسانيا ونفسيا وسياسيا، وتسجل أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، وطرق كسر إرادة المعتقل، وتمتد لأثر التجربة بعد الإفراج أيضا وغير ذلك كثير.
كنت وما زلت على يقين من أن الأجيال الجديدة ستفتح الباب بقوة مهما تأخرت، أو اكتفت بمقالات تتوزع على المنصات والمواقع، وليس كتبا كاملة، ومن ثم انتظر.
تجربتي مع أدب السجون لها معي تاريخ لا أنساه.
حدث ذلك بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967 حين اتسع الأمر قليلا بفعل الارتباك بعد الهزيمة، ووصلت إلى مصر كتب لمن عانوا من السجون في الخمسينيات والستينيات من اليسار، وكانت تطبع في بيروت.
وأيضا كتب طبعت في مصر، الحديث عنها طويل مثل «أيام الواحات» لصنع الله إبراهيم.
والواحات في الوادي الجديد كان فيها السجن الكبير بعيدا عن الدنيا.
لا أنسى منذ ثلاثين عاما تقريبا، كيف زرت الوادي الجديد في عمل ثقافي، وذهبت لأرى سجن الواحات الذي تم هدمه، ورأيت على جدران باقية قليلة، رسوما وشعارات لفنانين وسياسيين وكتاب ممن تم اعتقالهم فيه.
كذلك هناك كتب مثل «تجربتي في سجن النساء» لنوال السعداوي، أو ما كتبه عبد العظيم أنيس في كتابه «ذكريات من حياتي»، أو «أيام من حياتي» لزينب الغزالي عن تجربتها في السجن مع الإخوان المسلمين عام 1954.
كثيرة هي الكتب آخرها ما صدر منذ ثلاثة أعوام «مذكرات يهودي مصري» لألبير آريه.
كان بعض اليهود في الأحزاب الشيوعية، ومنهم هنري كورييل مؤسس الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني «حدتو» قبل حركة يوليو/تموز 1952.
بالمناسبة بعد هجره للبلاد تم اغتياله في باريس عام 1978، لأنه كان من أبرز مؤيدي حركة التحرير الجزائرية، ولا يزال اغتياله لغزا لم تتم معرفة من قاموا به.
اكتشفت من قراءتي لما يصل خفية من الكتب، أن مصطلح ماركسي اتسع ليشمل كل رأي مخالف.
وما أبلغ تعبير محمود السعدني في كتابه» الطريق إلى زمش» الذي هو عن تجربة اعتقاله.
و»زمش» اختصار لجملة « زي ما انت شايف» التي تلخص حال الكثيرين، فلا علاقة لهم بأي أحزاب سرية.
لن اتوسع في ما كُتب.
اعتقل سعد زهران أكثر من مرة بين 1954-1956 ثم 1959-1961- ثم سافر للجزائر.
ترك عن تجربة الاعتقال كتابه «الأوردي» وهي كلمة تركية تعني المبنى الملحق بالسجن.
وقد كان هو المبني الملحق بسجن أبو زعبل.
سأقف عند نقاط قليلة من وحي تلك الليلة الرائعة، في ذكرى سعد زهران.
أولاها فكرتي التي استقرت في روحي حتى الآن، أن هزيمة 1967 مهما كان لها من أسباب سياسية، كانت النتيجة الطبيعية لبلد يعيش على ذنوب، وليس أبشع من سجن أصحاب الرأي.
ثانيها يعيدني إلى اللقاء الجميل، وهو لقائي بعدد كبير من الأحباء، القريبين من عمري أو أقل، باعدت بيننا الأيام، حتى إن فريد زهران قال ضاحكا، هذا لقاء كبار السن.
لم يتغير أحد منهم وظل على طريق حب الوطن.
ثالثها يعيدني إلى سعد زهران نفسه، الذي كان لي حظ لقائه في سنواته الأخيرة، في مقهى الحرية وسط البلد، وكيف ظللت بعد وفاته، إذا ذهبت إلى المقهى أكون حريصا على أن أجلس في المكان نفسه كأنني معه.
أستمر مع سعد زهران لأكشف شيئا مهما، وهو أن شهرته يجب أن لا تقف عند كتاب «الأوردي» الذي هو عن أيام سجن أبو زعبل في الخمسينيات والستينيات، تكشف عن واقع بشع من الآلام والتعذيب والإذلال بالهتاف بحياة الرئيس الزعيم الأوحد، وحفلة الاستقبال بالضرب التي كان مثلا من ضحاياه الكاتب شهدي عطية الشافعي، ولن ينسى التاريخ من قاموا بالتعذيب مثل حمزة البسيوني، ونهايتهم القدرية البشعة، حين اصطدمت سيارته على الطريق الصحراوي بسيارة نقل أمامها تحمل أسياخ الحديد، فدخلت الأسياخ في جسده.
الجانب الآخر شديد الأهمية، هو مؤلفات سعد زهران وترجماته، التي تتوزع بين الفكر والرواية والمسرح.
من مؤلفاته مثلا «في أصول السياسة المصرية» الذي كتبه في منفاه الاختياري في الجزائر، بعد أحدث الشباب التي جرت في العالم عام 1968 وفي مصر أيضا، احتجاجا على المحاكمات الصورية التي جرت لقادة الطيران الذين تسببوا في الهزيمة، وبعد إشرافه على ملف في مجلة «الطليعة» بعنوان «شباب 68 يهز العالم» وخشيته من الاعتقال من جديد.
من ترجماته رواية «عناقيد الغضب» لجون شتاينبك، ورواية «الربيع على ضفاف الأودر» للكاتب الروسي إيمانويل كازاكفتش في ثلاثة أجزاء، أو مسرحية «ثم جاءوا إلى المدينة» التي صدرت في سلسلة مسرحيات عالمية، مع مقدمة ليحيى حقي، ومؤلفها هو الإنكليزي جون بريستلي، وترجمته لكتاب «الإنسان بين الجوهر والمظهر» لإريك فروم، الذي صدر في سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية.
كيف كانت أعماله أوسع فكريا من النظرة الماركسية، رغم عضويته في أحزاب شيوعية سرية.
إريك فروم مثلا الذي ترجم كتابه، لم يكن ماركسيا خالصا، بل كان عالم نفس واجتماع، وفيلسوفا فرّ من ألمانيا النازية إلى أمريكا مثل كثيرين، ينتمي إلى مدرسة فرانكفورت ذات التاريخ في تطوير المنهج الفلسفي، ليتسع عن الماركسية.
إريك فروم كان يبحث عن طريق جديد، وهو سمو القيم الإنسانية مثل الحب، على القيم المادية للرأسمالية والماركسية.
كذلك ما كتبه سعد زهران، لم يكن على خطى الماركسية الجامدة، بل كان كشفا لقوى غائبة عن الفكر الجامد.
مثل ما أطلق عليه «الواغش» في محاضراته لطلبة الجزائر كما قال فريد زهران في اللقاء، وهم الجماعة الذين لا تصنفهم في أيْ طبقة، بل يجلسون وظهورهم إلى الحائط في الطرقات بلا عمل.
وبالمناسبة «الواغش» كلمة دارجة مصرية تحمل هذا المعني.
كذلك كتابه «في أصول السياسة المصرية»، الذي ذكرته من قبل، وهو عن آليات الصراع في مصر وأطرافه، أو مثلث السلطة القصر والأعيان والامبراطورية، التي تحكم المنطقة وظهور الطبقة الوسطى.
أو مسرحية كتبها هو صدرت في سلسلة المسرح العربي في هيئة الكتاب المصرية.
رؤيتي لسعد زهران من خلال قراءاتي لأعماله ومعرفتي بالكثير منها، أنه كان من الأجيال التي تعلمت في الفترة الملكية.
هذه الأجيال كانت تتقن أكثر من لغة أجنبية، أو تبدع في لغة بعينها.
هذه الأجيال من المفكرين ابتداء من عصر النهضة الحديثة مع محمد علي باشا، ثم بشكل أكبر وأوسع بعد ثورة 1919.
أنظر مثلا إلى طه حسين، كيف كتب في التاريخ والفلسفة وترجم من الأدب العالمي وكتب أيضا الرواية.
كذلك فعل العقاد فإلي جوار أعماله البحثية، كان رائدا في الشعر وكتب الرواية.
كذلك فعل توفيق الحكيم في المسرح والرواية والدراسات.
تمد الحبل على الغارب كما يقال وتذكر أسماء كثيرة.
كان التنوع في الأعمال طريقا لفتح أبواب النهضة الفكرية والسياسية والأدبية في كل فروعها.
كذلك فعل سعد زهران فهو ابن المجتمع الليبرالي قبل حركة يوليو 1952، رغم انتمائه لحزب شيوعي، وهكذا كان يرى النهضة بعيدا عن الجمود الفكري.
وأعود إلى مشاريع دار المحروسة المرتقبة، من مسابقة فكرية أو لقاءات عما هو غائب، فأقول ويتجدد الأمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك