من بين آلاف الضحايا الذين خلدت أسماؤهم في احتجاجات يناير (كانون الثاني) الدامية الماضية، برزت أيضاً أسماء مئات الأطفال واليافعين دون سن الـ 18، أطفال ومراهقون قتلوا بعدما استهدفتهم قوات القمع بإطلاق النار المباشر في شوارع وأزقة وساحات مدن إيرانية مختلفة.
وقد مثل هؤلاء الأطفال واليافعون شرائح متعددة من المجتمع الإيراني، فمنهم طلاب كانوا يحلمون بمستقبل أفضل، ومنهم مراهقون اضطروا منذ سنوات إلى دخول سوق العمل للمساهمة في إعالة أسرهم، ليعرفوا لاحقاً باسم" أطفال العمالة".
لكن الحضور الواسع لأطفال العمالة وللمراهقين المنتمين إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة في الاحتجاجات، ليس ظاهرة جديدة أو محصورة بأحداث يناير الماضي، إذ تكرر النمط ذاته في احتجاجات الأعوام الماضية أيضاً، وهو نمط يكشف، خلافاً للروايات والاتهامات الرسمية الصادرة عن السلطة القضائية والأجهزة الأمنية، عن حقيقة أعمق مفادها بأن المحتجين، بعكس الادعاءات الحكومية التي تصفهم بأنهم" عناصر أجنبية"، هم فئات تنتمي إلى صلب المجتمع، دفعتها ضغوط الفقر، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتدهور الأوضاع المعيشية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وغياب أي أفق واضح للمستقبل، إلى حافة الانفجار.
لا تزال أسماء كثيرين من هؤلاء الأطفال واليافعين طي الكتمان، إذ التزمت عائلاتهم الصمت تحت وطأة الضغوط.
ومع ذلك، فإن الروايات القليلة التي خرجت إلى العلن تكشف صورة صادمة عن جيل يحمل، قبل بلوغه سن الرشد، أعباء العمل والفقر، ويدفع في الوقت ذاته ثمناً باهظاً لمطالبته بحياة أفضل.
ومن بين هؤلاء، محمد نوري، الفتى البالغ من العمر 17 عاماً من مدينة قم، الذي قتل في الأول من يناير الماضي، بعدما استهدفته قوات القمع بإطلاق نار مباشر خلال اقتحامها تجمعاً احتجاجياً في ساحة توحيد بالمدينة.
وبحسب روايات مقربين منه، كان محمد من الأطفال الذين اضطروا، على رغم صغر سنهم، إلى العمل لمساعدة أسرهم في تأمين متطلبات المعيشة.
كما كان رسول كديوريان وشقيقه رضا كديوريان من بين اليافعين والشبان المنحدرين من أوساط محدودة الدخل الذين قضوا خلال الاحتجاجات.
الشقيقان، المنحدران من حي جعفر آباد في كرمانشاه، كانا يعملان كعاملين، وقد ارتبطت حياتهما بالكفاح اليومي لتأمين لقمة العيش وإعالة الأسرة.
وفي الثاني من يناير الماضي، أطلقت القوات الأمنية النار على الشقيقين خلال قمع الاحتجاجات في جعفر آباد بمدينة كرمانشاه.
وفارق رسول الحياة بعد نقله إلى مستشفى" طالقاني" في كرمانشاه، فيما توفي رضا في اليوم التالي متأثراً بجراحه، بعدما كان يرقد في قسم العناية المركزة.
أما بويا درخشان، الذي كان يبلغ 17 عاماً عند مقتله، فكان أيضاً من بين اليافعين الذين ألقت الأزمة المعيشية بظلالها الثقيلة على طفولتهم ومراهقتهم.
فقد قتل في الثامن من يناير الماضي، في منطقة هفت حوض بمدينة طهران على إثر إصابته برصاصة في القلب.
وكان بويا يعيش مع جديه، وبحسب مقربين منه، اضطر منذ سنّ مبكرة إلى العمل لمساعدة عائلته، وظل، على رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، يسعى لتحسين حياة أسرته ومستقبله الشخصي.
كذلك قتل أمير مهدي نعمتي نجاد، اليافع البالغ 17 عاماً والعامل في مجال الخياطة من مدينة أراك، في الأول من يناير الماضي، بعدما فتحت قوات القمع التابعة للنظام الإيراني النار على المحتجين في ساحة شورا بمدينة أراك.
وتكشف قصص هؤلاء، إلى جانب عشرات اليافعين الآخرين الذين قضوا خلال الاحتجاجات، عن أن شريحة واسعة من ضحايا القمع كانوا من المراهقين والشباب الذين دخلوا سوق العمل بالتوازي مع الدراسة، أو بدلاً عنها، في ظل أزمة اقتصادية خانقة جعلت مستقبلهم يبدو غامضاً ومفتوحاً على المجهول.
أما ميلاد حسن زادة، الشاب الإيراني المعروف بحبه للحرية، فقد أطلق مشروعاً إلكترونياً لبيع العطور عبر الإنترنت.
وقبل خروجه للمشاركة في الاحتجاجات، كتب في آخر رسالة له" أنا ذاهب الآن.
إذا قتلت أو حتى اعتقلت، فكونوا سعداء، لأنني اخترت أن أعيش بكرامة وشرف.
وإذا كان لا بدّ من الموت، فأفضل أن أموت شهيداً في طريق الشجاعة والكرامة.
وإذا حدث لي شيء، فأريد أن ينتشر الخبر كالقنبلة، ليصبح مثالاً يحتذى به لأبناء جيلي".
بعد مقتل ميلاد، حظيت المقاطع المصورة التي كان ينشرها عبر حسابه على" إنستغرام" للترويج لبيع العطور عبر الإنترنت باهتمام واسع.
أما أبو الفضل نوروزي، البالغ 14 عاماً، فقد قتل في السابع من يناير عام 2026 قرب قاعدة" الباسيج" في منطقة سيدي بمدينة مشهد، على إثر إصابته برصاص حي.
وكان أبو الفضل قد اضطر قبل نحو عام من مقتله إلى ترك الدراسة، على رغم حبه الشديد للتعلم، ليصبح المعيل الرئيس لأسرته.
وكان يعمل في ورشة ميكانيك على أمل أن يعود إلى الدراسة ليلاً، وكان حلمه أن يشتري دراجة نارية من دخله الخاص، وهو حلم لم يتحقق أبداً.
كما قتل جواد كاظمي، الطفل العامل البالغ 13 عاماً والمنحدر من أسرة فقيرة في محافظة طهران، بعدما أصيب بثلاث رصاصات.
كان جواد قد فقد والدته، في ما كان والده من ذوي الإعاقة، ما اضطره إلى العمل منذ سن الـ 10 لتأمين احتياجات الأسرة.
وقتل سام صحبت زادة، البالغ 14 عاماً، والمنحدر من مدينة خلخال والمقيم في قلعة حسن خان بطهران، يوم السابع من يناير الماضي، خلال احتجاجات اندلعت في المنطقة التي يسكنها، بعدما أطلقت قوات القمع النار على المتظاهرين.
وبحسب مقربين منه، كان قد اضطر إلى ترك الدراسة منذ سن الـ 10 والعمل لإعالة أسرته.
أما أمير حسين سرتيبي، اليافع البالغ 15 عاماً، فكان قد فقد والده وأصبح المعيل الوحيد لعائلته.
وكان يعمل سائق توصيل على دراجة نارية لدى أحد المتاجر، قبل أن يقتل ليل السابع من يناير الماضي، في قلعة حسن خان على إثر إصابته برصاصة في الرأس.
وقتل أيضاً بنيامين محمدي، الملاكم اليافع الذي كان يحلم بتحقيق بطولة رياضية، في حي غلجين بطهران.
وكان بنيامين قد فقد والده، واضطر إلى العمل لتأمين نفقاته المعيشية.
أما رضا كاووسي، البالغ 16 عاماً والمنحدر من مدينة قوچان، فقد هاجر إلى مدينة كرج للعمل وتعلم مهنة الميكانيك، لكنه قتل في الثامن من يناير الماضي، بعد إصابته بالرصاص في المدينة نفسها.
واضطر والده إلى بيع سيارته لتأمين مبلغ 750 مليون تومان (5000 دولار)، الذي طلب منه بوصفه" ثمن الرصاص".
كما كان أبو الفضل وحيدي، اليافع البالغ 13 عاماً من مدينة إسلام شهر، واحداً من أطفال العمالة الذين قتلوا خلال شهر يناير الدامي.
فقد كان يتيماً من جهة الأم، فيما تخلى عنه والده، وكان يعمل ليلاً حتى ساعات الصباح لتأمين الحد الأدنى من احتياجاته المعيشية.
ويقول مقربون منه إنه كان على بعد شهر واحد فقط من بلوغ الـ 14، وكان يحلم، مثل كثيرين من أقرانه، بشراء حذاء رياضي أجنبي.
لكن في السابع من يناير الماضي، أنهت قوات القمع التابعة للنظام الإيراني حياته بإطلاق النار على عنقه في حي نازي آباد بطهران.
أما مهدي كشاورز داداشي، فكان فتى في الـ 17 من عمره، قتل خلال احتجاجات يناير الماضي، في منطقة پرند التابعة لرباط كريم.
ففي مساء السابع من يناير، أصيب برصاصتين في القلب والصدر أودتا بحياته.
وكان مهدي المعيل الأساس لأسرته، يعيش مع شقيقته ويعمل في تركيب الأسقف الجبسية لتأمين لقمة العيش.
وتصفه الروايات المتداولة بأنه كان شاباً بشوشاً وشجاعاً ومجتهداً، يتحمل أعباء تفوق سنه بكثير.
ولم يكن استهداف أطفال العمالة واليافعين الكادحين ظاهرة مقتصرة على احتجاجات يناير الماضي، بل تكرر مراراً خلال احتجاجات السنوات الماضية.
فقد كان آرتين رحماني، اليافع البالغ 17 عاماً من مدينة إيذج، أحد أطفال العمالة الذين قتلوا في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022 خلال انتفاضة مهسا اميني، بعدما أصيب بثلاث رصاصات.
وكان آرتين متدرباً في ورشة ميكانيك ويعشق السيارات وصيانتها.
وبعد مقتله، انتشرت رسالة بخط يده كتبها لوالدته جاء فيها" سامحيني يا أمي، أريد أن أسلك طريقاً قد لا ترين فيه شبابي".
كما كان قد كتب على" إنستغرام" قبل مشاركته في الاحتجاجات" سيأتي يوم تصبح فيه أحوالنا بخير، لكن ربما لن أكون موجوداً في ذلك اليوم.
وإذا بقيت أنت، فاضحكي بدلاً مني، من أعماق قلبك".
أما محمد إقبال نايب زهي، اليافع الذي قتل خلال احتجاجات" الجمعة الدامية" في زاهدان عام 2022، فكان عاملاً في قطاع البناء.
وتقول الروايات إنه حتى يوم خروجه لصلاة الجمعة لم يكن يملك أجرة المواصلات، فسار نحو 12 كيلومتراً سيراً على الأقدام للوصول إلى المصلى، قبل أن يقتل في اليوم نفسه برصاصة أطلقت عليه من الخلف.
كذلك كان محسن محمد بور أبو جديعي، أحد ضحايا احتجاجات نوفمبر عام 2019 في مدينة المحمرة، من بين اليافعين الذين اضطروا إلى العمل في البناء إلى جانب الدراسة.
وكان يتوجه يومياً إلى العمل بعد انتهاء الدوام المدرسي لمساعدة أسرته، قبل أن يقتل في 16 نوفمبر عام 2019 برصاص قوات النظام الإيراني.
مهدي وأبو الفضل وبنيامين وأمير حسين وسام وجواد ورضا وميلاد وأمير مهدي وبويا وآرتين ومحمد إقبال ومحسن وغيرهم، أطفال لم تتح لهم فرصة اختبار المعنى الحقيقي للطفولة، إذ عرفوا مبكرا قسوة الفقر والعمل القسري والأزمات المعيشية.
ففي السن التي كان يفترض أن يقضوها في المدارس أو ملاعب اللعب أو بين أفراد أسرهم، وجدوا أنفسهم في الورش، ومواقع البناء، والمتاجر، والشوارع، يسعون للمساهمة في إعالة عائلاتهم.
لقد كانوا ضحايا مبكرين لنظام حول الأطفال إلى قوة عمل رخيصة، ثم جاءت البنية ذاتها التي فرضت عليهم تلك الحياة القاسية، لتنهي حياتهم بالرصاص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك