أم الفحم- لم يستسلم فلسطينيو 48 لمحاولة سلخهم عن ماضيهم وتاريخهم، وعلى طريقتهم يحيون هذا العام الذكرى السنوية الـ78 للنكبة، حيث نظمت فعاليات ميدانية في عدد من القرى الفلسطينية المهجرة، كان أبرزها في قرية اللجون قضاء أم الفحم بأراضي الـ48، بمشاركة أبناء وأحفاد اللاجئين والمهجرين من الداخل، وذلك في إطار جهود متواصلة لإحياء الذاكرة الوطنية وربط الأجيال الجديدة بتاريخ المكان وحكايته.
وسار المشاركون في طرقات القرية المهجرة، وبين بقايا الأرض التي ما زالت تحفظ أسماء أصحابها، حاملين ذاكرة تمتد لنحو 8 عقود من التهجير والاقتلاع، فيما تحولت الجولة إلى مساحة لاستعادة الرواية الفلسطينية وتوثيقها، ليس بوصفها ذكرى عابرة، بل باعتبارها واقعا حيا يتوارثه الأبناء والأحفاد كما تورث الحكايات والوصايا.
وضمت الفعاليات عددا من أبناء العائلات المهجرة، إلى جانب ناشطين ومؤسسات محلية، حيث نظمت جولات تخللها لقاءات وشهادات حية حول معاني العودة والارتباط بالمكان، إضافة إلى توثيق الانطباعات ودوافع مشاركة الأجيال الجديدة في إحياء ذكرى النكبة عاما بعد آخر.
تعزيز الوعي وإحياء ذاكرة المكانتضمنت الفعاليات يوما وطنيا مفتوحا في قرية اللجون، شمل أعمال تنظيف وصيانة لمقبرة القرية ومحيط الوادي، إلى جانب جولات ميدانية حرة مصحوبة بإرشاد تاريخي للتعرف على معالم القرية وتاريخ سكانها قبل التهجير، إضافة إلى تقديم شروحات ولقاءات توثيقية حول مسيرة أهلها.
وفي مشهد رمزي يعكس ارتباط المشاركين بالمكان والذاكرة، ويؤكد استمرار حضور القضية في الوعي الجمعي، اختتمت الفعاليات بأداء صلاة الجمعة مع الشيخ محمد أمارة على أرض القرية.
وإلى مقبرة قرية اللجون المهجرة، وصل الشيخ محمود محاميد، حاملا أدوات الترميم وذاكرة المكان معا.
وبين القبور القديمة وشواهدها المتآكلة، انشغل بتنظيف المقبرة وصيانة ما تبقى من حجارتها، كمن يحاول أن يحمي ما تبقى من الحكاية من الغياب.
يقول محاميد -للجزيرة نت- إن المقبرة بالنسبة له ليست مجرد مكان لدفن الموتى، بل صورة مكثفة عن البيت والبلدة والأهل، فـ" آباؤنا وأجدادنا مدفونون هنا، وهذه الأرض ما زالت تحفظ أسماءهم".
وبين القبور التي بقيت شاهدة على تاريخ القرية، يرى محاميد أن ترميمها وصيانة شواهدها هو شكل من أشكال الوفاء لمن رحلوا، ورسالة بأن الذاكرة الفلسطينية ما زالت حية رغم مرور العقود.
ويضيف أن من لا يحترم الأموات في قبورهم، لا يحترم الأحياء فوق الأرض، لذلك يتحول العمل التطوعي في المقبرة إلى فعل يومي لحماية الرواية وحفظ ما تبقى من معالم القرية المهجرة.
ولا تقتصر علاقة محاميد باللجون على ذكرى النكبة السنوية، بل تمتد على مدار العام، إذ يؤكد أن أهالي القرية المهجرين، خاصة من استقروا في أم الفحم، ما زالوا يترددون إلى أراضيهم باستمرار، لأنهم يرتبطون" بعلاقة وجودية" مع المكان، حسب وصفه.
ووسط المقبرة، وبين الحجارة القديمة التي نجا بعضها من عوامل الزمن، يبدو الترميم بالنسبة لمحاميد أكثر من مجرد صيانة لمكان أثري؛ إنه محاولة للإبقاء على أثر الناس حيا، وتأكيد متجدد على قناعة راسخة لدى أبناء اللجون بأن العودة، مهما طال الزمن، ما زالت ممكنة.
ومنذ ساعات الصباح الأولى، بدا رئيس اللجنة الشعبية في أم الفحم، محمد محاميد، منشغلا بين المقبرة وأطراف قرية اللجون المهجرة، يتابع اللمسات الأخيرة استعدادا لإحياء الذكرى الـ78 للنكبة، وكأنه يحاول أن يسبق الزمن كي تبقى القرية حاضرة في الذاكرة كما كانت يوما حية بأهلها وبيوتها.
بالنسبة له، لا تبدو اللجون مجرد قرية مهجرة أو محطة سنوية لإحياء الذكرى، بل جزءا أصيلا من وجدان أهالي أم الفحم.
ويقول للجزيرة نت إن معظم العائلات الفحماوية كانت تملك بيتا أو أرضا أو" عِزبة" زراعية في اللجون، لذلك بقيت العلاقة معها ممتدة رغم عقود التهجير.
ويصف هذا الارتباط بأنه وطني وروحاني في آن واحد، إذ يرى أن اللجون حاضرة في ملامح كل فحماوي، وفي ذاكرته ولهجته وحكايته.
ويتابع محمد أن الحضور إلى اللجون ليس مجرد إحياء لذكرى النكبة، بل استمرار في" طريق العودة"، فشواهد القبور، وبقايا البيوت، وآثار المساجد القديمة، كلها تعيد شحن الذاكرة وتؤكد أن هنا عاش الأهل والأجداد، وأن القضية لم تنته بالتهجير.
ويضيف أن مشاريع التواصل مع القرية، ومعسكرات العمل التطوعي، وترميم المقبرة والمعالم المتبقية، كلها رسائل موجهة إلى الأجيال الجديدة بأن الحياة لم تنقطع في اللجون، وأن العودة، مهما طال الزمن، ما زالت ممكنة.
ووسط المتطوعين، كان الثمانيني زياد طميش يسير ببطء في المكان الذي ولد فيه قبل النكبة بخمسة أعوام ونصف العام.
لا يدعي الرجل أنه يتذكر تفاصيل التهجير، لكنه يقول إن ذاكرته ممتلئة بصورة العودة أكثر من مشاهد الرحيل.
طميش، الذي يعيش في أم الفحم منذ أكثر من 6 عقود، يواصل زيارة اللجون بشكل شبه يومي.
يتجول بين التلال وبقايا البيوت وأشجار الطبيعة، ويحرص كلما التقى مجموعات من الزوار أو المتنزهين على أن يروي لهم حكاية القرية، وكأن السرد بالنسبة له واحد من أشكال حماية المكان من النسيان.
ولا يأتي حديثه عن اللجون من باب الحنين إلى الأطلال فقط، بل من قناعة راسخة بحق العودة.
ويقول للجزيرة نت إن نشاطه في المطالبة بالعودة وترميم المعالم المتبقية عرَّضه للملاحقة والتحقيقات الشرطية أكثر من مرة، بسبب دوره في تثبيت حق أهالي اللجون بأرضهم.
ورغم ذلك، يواصل مع آخرين العمل على ترميم مقبرة القرية، وصيانة مسجد الأغبارية، وإحياء ما تبقى من العيادة الطبية داخل كيبوتس مجدو (تجمع استيطاني إسرائيلي) الذي أقيم على أراضي اللجون.
ويشير طميش إلى أن أهالي القرية أثبتوا عبر الخرائط والوثائق وجود عشرات المنازل التي لم تُصادر رسميا بعد النكبة، وطالبوا باستعادتها والعودة إليها، إلا أن المحكمة العليا الإسرائيلية رفضت الطلب، واقترحت تعويضات مالية بدلا من إعادة المنازل، وهو ما رفضه الأهالي بشكل قاطع.
ويقول: " رفضنا التعويضات لأن القضية ليست مالا، بل أرض وعودة".
قبل النكبة، كان يسكن اللجون نحو 1080 فلسطينيا، هجر معظمهم إلى أم الفحم والقرى المجاورة.
ويؤكد أبناء القرية أن خصوصية اللجون تعود إلى أن معظم العائلات الفحماوية كانت تمتلك فيها أراض ومنازل زراعية منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
ويبدو لافتا -بحسب طميش- أن الجيل الرابع للنكبة بات أكثر ارتباطا بالمكان وأكثر جرأة في التعبير عن حق العودة، إذ يشارك الشبان في أعمال الترميم والتطوع والجولات الميدانية باعتبار اللجون جزءا من حاضرهم، لا مجرد فصل من تاريخ قديم.
وفيما ينشغل المتطوعون بتنظيف المقبرة وترميم ما تبقى من حجارة المكان، تبدو الرسالة أعمق من مجرد حفظ للذاكرة؛ إنها محاولة لترسيخ فكرة العودة في الوعي الفلسطيني، باعتبارها الكلمة المقابلة للنكبة.
اللجون وأم الفحم.
امتداد المكان والزمانبالنسبة للمحامي وعضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد، أحمد خليفة، لا يقتصر إحياء ذكرى النكبة على الفعاليات السنوية أو المسيرات الرمزية، بل يتجاوز ذلك إلى مشروع متواصل يهدف إلى تثبيت العلاقة اليومية مع قرية اللجون المهجرة وإبقائها حية في الوعي الفلسطيني.
وأوضح في حديثه -للجزيرة نت- أن ترميم المقبرة، وصيانة شواهد القبور، وتنظيف المكان، ليست أعمالا تقنية أو تطوعية فحسب، بل رسائل واضحة بأن اللجون ما زالت حاضرة، وأن الحياة لم تنقطع فيها رغم مرور عقود على التهجير.
وتابع، أن العلاقة بين أم الفحم واللجون ليست تاريخية فحسب، بل امتداد اجتماعي ووجداني وجغرافي، حتى بات كثيرون ينظرون إلى اللجون باعتبارها جزءا من الحيز الطبيعي والوطني للمدينة.
فالوجود الدائم في اللجون، والعمل التطوعي فيها، وترميم معالمها، كلها ممارسات تعزز قناعة العودة وتحولها من شعار سياسي إلى سلوك يومي متجذر في الوعي الفلسطيني.
ولا تقوم فكرة التواصل مع اللجون -أضاف خليفة- على" البكاء على الأطلال" أو الاكتفاء بإحياء ذكرى سنوية، وإنما على" تطبيع" الحضور الفلسطيني في القرية المهجرة، بحيث يصبح الوصول إليها والتواجد فيها جزءا من الحياة اليومية لأبنائها وأحفادهم.
ومن هذا المنطلق، جرى تشكيل لجنة لمتولي الأوقاف الإسلامية في اللجون، بهدف حماية المقبرة، وصيانة المسجد، والحفاظ على المعالم المتبقية فيها، في محاولة لمنع اندثارها أو تغييبها من الذاكرة الجماعية.
ورأى خليفة أن هذه النشاطات تُفنّد الرواية الإسرائيلية التي تحاول تصوير القرى المهجرة كأماكن انتهت قصتها أو سقطت من الوعي الفلسطيني، مؤكدا أن اللجون تحديدا ما زالت تحتفظ بمكانة خاصة بسبب موقعها الجغرافي وقربها من أهاليها المهجرين الذين يعيش معظمهم في أم الفحم.
" هنا باقون" في أرض الأجدادومع انطلاق الفعاليات لإحياء ذكرى النكبة في اللجون، كان ابنا العمومة عمر سالم محاميد (11 عاما)، ومحمد علي محاميد (12 عاما)، قد وصلا باكرا إلى المقبرة، يحملان أدوات التنظيف بحماس واضح، ويتسابقان بين القبور القديمة لإزالة الأعشاب وترتيب المكان.
وسط شواهد القبور التي غطى بعضها غبار السنوات، بدا الطفلان وكأنهما يعرفان المكان جيدا، رغم أنهما ولدا وترعرعا في أم الفحم، لا في اللجون نفسها.
وبينما كانا يواصلان أعمال التنظيف، قالا إن أجدادهما عاشوا هنا، وإن بعض أفراد العائلة ما زالوا يرقدون في مقبرة القرية، لذلك يشعران أن المكان جزء من حياتهما اليومية وليس محض قصة قديمة يسمعانها من الكبار.
ويقول الطفلان للجزيرة نت إن سنوات طفولتهما ارتبطت باللجون، فقد اعتادا القدوم إليها والتجول بين آثار البيوت وبقايا المعالم القديمة، حتى أصبحت الأرض بالنسبة لهما مألوفة كأنها امتداد طبيعي لبيوتهما الحالية.
وببراءة ممزوجة بقناعة راسخة، يؤكدان أن التواصل مع اللجون ليس مجرد مشاركة في فعالية سنوية، بل" جزء من العقيدة والإيمان بحق العودة"، كما يرددان دائما في البيت وبين العائلة.
ويضيفان أن أعمال الترميم والتنظيف وصيانة المقبرة تهدف إلى حماية المكان من الاندثار، وإبقاء آثار القرية حية للأجيال القادمة، حتى تبقى الحكاية حاضرة في الذاكرة.
وفيما يواصل الطفلان جمع الحجارة وتنظيف محيط القبور، يرددان بثقة لافتة: " هنا باقون، وإلى اللجون عائدون"، قبل أن يضيفا أن حلم العودة بالنسبة لهما ليس بعيدا، بل شيء يتمنيان أن يرياه قريبا، حين" تبنى اللجون من جديد ويسكنها أهلها مرة أخرى".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك