ثمانية وسبعون عاماً على النكبة، فيما لا تزال الذاكرة الفلسطينية تُكتب بأقلام جيل يرفض الاستسلام، بعدما خاض رحلة طويلة من التحدي والصمود في مختلف أماكن وجوده.
ورغم مرور كل هذه السنوات، لم تعد النكبة حدثاً تاريخياً فحسب، بل واقعاً مستمراً تنعكس تداعياته على حياة الفلسطينيين عبر الأجيال.
وأحدثت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاها من حرب مدمرة وتغيرات جيوسياسية متسارعة، تحولاً كبيراً في وعي الشباب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني.
وبات هذا الجيل، الذي يشكل الكتلة الأكبر في المجتمع الفلسطيني، ينظر إلى الواقع السياسي والفصائلي بمنظور معقد، يجمع بين الألم والاعتزاز، وبين الرغبة في التحرر والإحباط من الواقع السياسي القائم.
وفي قلب جامعة بيرزيت وسط الضفة الغربية، أجرت «الغد» لقاءات مع عدد من الطلاب حول أثر النكبة وتداعياتها ومستقبل القضية الفلسطينية بالنسبة إلى جيل الشباب.
وقال الطالب الفلسطيني أحمد صباح إن النكبة لم تنتهِ، وإن جيل الشباب لا يتعامل معها بوصفها «روتيناً يومياً»، بل باعتبارها واقعاً يجب أن ينتهي، مشدداً على ضرورة وقف ما وصفه باضطهاد الشعب الفلسطيني على أرضه.
وأكد أن من حق الفلسطينيين العيش والتمتع بالحقوق التي تحظى بها بقية الشعوب، مضيفاً: «النكبة يجب أن تنتهي آجلاً أم عاجلاً».
وأشار إلى أن وعي الشباب الفلسطيني تجاه القضية أصبح مرتفعاً، في وقت يحاول فيه الاحتلال فرض واقع جديد من التضييق، مضيفاً: «نحن في 2026 لن نعود إلى واقع الهجرة، ولن نعود إلى المربع الأول».
ولفت إلى أنه «لا يوجد أسوأ من ماكينة القتل التي نفذها الاحتلال في غزة، إلا أن أهلنا في غزة صامدون، يعيدون بناء منازلهم من الصفر، يقاومون الاحتلال بشتى الطرق»، مؤكدا أن الفلسطيني متمسك بأرضه رغم محاولات إرهاب الاحتلال.
وأردف: «نحن الآن في الضفة نواجه المستوطنين بأيدينا العارية.
نحن نؤمن أن هذا المستوطن مهما قاومته سننتصر بالنهاية».
وشدد على أن الاحتلال يستهدف التواجد العربي على الأراضي الفلسطينية، ولا يستهدف أي كيان أو حزب أو فئة بعينها، إنما العرب بشكل عام.
ولفت إلى أن حل الدولتين انتهي تمام بفعل انتهاكات الاحتلال ومساعي إلغاء اتفاق أوسلو وتغيير الواقع على الأرض، مشيرا إلى تصريحات اليمين المتطرف الإسرائيلي بـ«قضينا على الدولة الفلسطينية».
بينما قال الطالب، نائل بيطار، إن الإبادة التي وقعت خلال السنوات الأخيرة، خاصة بغزة ومخيمات شمال الضفة الغربية، هو أشبه بأحداث النكبة، مشيرا إلى أن جيش الاحتلال يسعى جاهدا لحذف مصطلحات مثل «اللاجئين» و«النكبة» بهدف محو الذاكرة.
وأشار إلى أن الفلسطينيين يعيشون نكبة يومية، من هدم للمنازم وضمن المخيمات في شمال الضفة للمدن وغيرها من الانتهاكات بهدف محو مصطلح «النكبة»، إذ كان أحد شروط سلطات الاحتلال لعودة النازحين إلى منازلهم في المخيمات هو محو كلمة «لاجئ» من السجلات.
ورأى أن طريقه من المنزل إلى الجامعة أشبه بمسار النكبة، إذ يعاني الحواجز الإسرائيلية وعرقلة المرور وانتهاكات المستوطنين.
ولفت إلى أن هناك مخاوف لدى طلاب جامعة بيرزيت من إبراز بطاقة التعريف الجامعة خلال المرور عبر حواجز الاحتلال، إذ يتم اعتراضهم دوما على أيدي جنود الاحتلال، في محاولة لبث الخوف بين الشباب الفلسطيني.
وكشاب فلسطيني يعيش الواقع، رأى نائل أن الاحتلال لن يسمح بحل الدولتين، وأن هدف الاحتلال هو «إسرائيل الكبرى»، وهو ما يفعل حاليا في سوريا ولبنان وليس فقط فلسطين.
من جانبها، روت الطالبة ملك آسيا ذكر النكبة لم تفارق منزلها، وأنها شبت في منزل كانت تروى بها قصص النكبة والتهجير القسري، وما تركوه خلفهم خلال النزوح.
وأشارت إلى أنها سمعت قصص عن تفشي الأمراض بين النازحين، مثل شلل الأطفال وغيرها من الأمراض، وقصص أخرى عن معاناة تجريدهم من حياتهم الطبيعية والمعاناة والألم الذين مروا به.
وتابعت ملك أن أية أنشطة سياسية للطلاب داخل الجامعة مستهدفة من قبل الاحتلال الذي يعرقلها دوما ويمنع التعبير على أي شيء يعبر عن الواقع الفلسطيني.
كما أن هناك مخاوف من اقتحامات واعتقالات، وهو أمر شائع الحدوث على أيدي قوات الاحتلال.
مؤكدة أن الفلسطينيين يعيشون واقع متداخل تحت حصار إسرائيلي مستمر، ويتحكمون في سير حياة الفلسطيني، إلا أنه رغم تلك القيود الوعي الشبابي ينمو ويزيد إدراكه للواقع والتحديات.
ورأت أن إسرائيل نسفت «حل الدولتين»، وأنه وفقا لها «غير مقبول بتواجد أي شخص غير يهودي على تلك الأرض».
وقال الطالب منذر أبو حسان إن آثار النكبة وتداعياتها لا تزال متواصلة، إذ أنها لم تكن حدث عابر، بل تم قتل شعب وتهجيره من أرضه.
وأردف أن الحدث لا زال مستمر بعد نحو 80 عاما، مشيرا إلى أن تكرار حادث النكبة مرة أخرة في قطاع غزة واستمرار محاولات التهجير، كذلك في شمال الضفة الغربية.
وشدد على أن رغم محاولات الاحتلال، إلا أنه لم يتم تكرار التاريخ بتهجير الشعب الفلسطيني، إذ صمد الشعب الفلسطيني بعد تهجير 1948 و1967، وبات الشعب أكثر وعيا وإدراكا للمخططات الإسرائيلية.
وتابع أن النكبة تتكرر مع إعادة صياغتها، إذ لم يحدث التهجير كون الشعب الفلسطيني أصبح أكثر صمودا وثباتا على أرضه.
ونوه إلى محاربة الاحتلال للحركات الطلابية وحظرت العديد منها داخل الجامعات، ورغم ذلك لا تزال تلك الحركات موجودة بالجامعات ولكن بشكل غير رسمي.
«ذاكرة أجدادنا ومفاتيح بيوتنا»وأكدت الطالبة ندية أبو كرش أن «النكبة هي ذاكرة أجدادنا، مفاتيح بيوتنا»، ولفتت إلى أن الفلسطينيين غير مستعدين لتكرار تجربة اللجوء، وأنه رغم محاولات الاحتلال لن يستطيع محو الكيان الفلسطيني.
وتابعت أن الاحتلال يعتمد في تثبيت سردية عن الأرض في على محو السكان الأصليين في البداية، مشددة على أن التاريخ لن يعيد نفسه، وأن الفلسطيني متمسك بأرضه وبروايته وسيقوم بإيصالها لكل العالم.
وأضافت أن الرواية الفلسطينية لا تزال تورث وتصدر لكل العالم لزيادة الوعي بالقضية الفلسطينية وقد نجحت في ذلك بالفعل.
وشددت على أن الاحتلال يستهدف الفلسطيني بشكل عام، بخلاف النظر عن انتماءات الشعب السياسية أو الدينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك