شهدت منطقة عفرين ونواحيها شمال غربي سورية أكبر موجة عودة للعائلات الكردية بعد سنوات من الحرب والانقسام والتهجير، وسط محاولات لسدّ الحاجات الملحّة، خصوصاً أن التحديات الاقتصادية والمعيشية كبيرة.
تسعى مؤسّسات الدولة ومديرياتها في منطقة عفرين بريف حلب شمال غربي سورية، إلى تهيئة بيئة آمنة ومستقرة لعودة العائلات الكردية إلى مناطقها، عبر خطة تعتمد على تنظيم العودة تدريجياً، بالتوازي مع معالجة التعقيدات الأمنية والخدمية التي خلّفتها سنوات الحرب والتهجير.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت منطقة عفرين ونواحيها، جنديرس وراجو وشران وبلبل وباسوطة ومعبطلي، أكبر موجة عودة للعائلات الكردية منذ سنوات، عبر خمس قوافل منظمة انطلقت من محافظة الحسكة شمال شرقي سورية نحو عفرين، إضافة إلى مئات العائلات التي عادت بشكل فردي من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في شمال مدينة حلب، ومن خارج سورية أيضاً، ولا سيّما من لبنان وتركيا.
وتعود غالبية حالات التهجير إلى العام 2018 عقب عملية" غصن الزيتون" العسكرية التي نفذتها القوات التركية وفصائل" الجيش الوطني السوري" ضد" وحدات حماية الشعب" الكردية التي كانت تسيطر على المنطقة آنذاك.
ويقول مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في عفرين عماد النعمة لـ" العربي الجديد"، إنّ عمليات استقبال العائلات العائدة بدأت بتوجيه من مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في حلب، وبالتعاون مع إدارة منطقة عفرين وشركاء العمل الإنساني"، موضحاً أن عدد القوافل المنظمة القادمة من الحسكة بلغ خمس قوافل حتى الآن.
وبحسب قوله، ضمّت القافلة الأولى نحو 400 عائلة، والثانية 200 عائلة، والثالثة 800 عائلة، والرابعة 1200 عائلة، والخامسة 1400 عائلة، في حين تستمر عودة عائلات أخرى بشكل فردي.
ويشير النعمة إلى أن الجهات المحلية والمنظمات تؤمّن الخدمات الأساسية للعائدين، من الرعاية الطبية والصحية والغذائية، وصولاً إلى الدعم القانوني، عبر إنشاء خمس نقاط قانونية لتقديم الاستشارات للعائدين ومساعدتهم على استعادة ممتلكاتهم أو معالجة أوضاعهم القانونية.
ويضيف: " العائلات التي لا تملك مساكن تُوضع في شقق ضمن قرى سكنية مجهّزة مسبقاً، فضلاً عن برامج دعم تنفّذها منظمات إنسانية، تشمل مساعدات غذائية ومالية، أو مشاريع" الكاش" لمساعدتهم على بدء حياة جديدة.
ورغم استمرار عمليات العودة، ما تزال آلاف العائلات خارج المنطقة، إذ يُقدّر النعمة عدد العائلات التي لم تتمكن من العودة حتى الآن بنحو أربعة آلاف عائلة.
لكن العودة إلى عفرين لا تبدو سهلة في ما يخص الكثير من العائلات الكردية التي أمضت سنوات طويلة في التهجير، بعيداً عن مدنها وقراها، إذ تواجه هذه العائلات تحديات اقتصادية ومعيشية كبيرة، خصوصاً بالنسبة لمَن فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم خلال سنوات النزوح، في ظلّ ضعف فرص العمل وارتفاع تكاليف تأسيس حياة جديدة.
كما أن سنوات النزوح الطويلة غيّرت شكل العائلات نفسها، فكثير ممّن خرجوا سابقاً عائلةً واحدةً عادوا اليوم عائلتين أو أكثر، بينما وجد بعضهم منازله مشغولة من عائلاتٍ أخرى، في حين اضطرّ آخرون إلى استئجار منازل جديدة أو طلب السكن ضمن القرى السكنية المؤهلة.
وفي هذا السياق، يقول مدير ناحية شران نضال عبد الوهاب لـ" العربي الجديد"، إنّ السلطات المحلية أعادت الممتلكات للعائدين فور وصولهم، موضحاً أن الوافدين" يتوجهون إلى مجلس البلدية لتسلّم ممتلكاتهم، وفي حال وجود أيّ مشكلة يُحوّل الملف إلى مركز الناحية، ويُستعان بالقضاء لاتّخاذ الإجراءات اللازمة".
وبين العائدين، يحمل كثيرون قصص نزوح طويلة امتدت لسنواتٍ بين مدن ومخيمات متعددة داخل سورية.
نبيل حسن واحد من هؤلاء، إذ بدأت رحلة تهجيره مع السنوات الأولى للثورة السورية، حين كان يقيم في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، قبل أن ينتقل إلى عفرين لعامين، ثم إلى منطقة الشهباء شمالي حلب، ومنها إلى مدينة الطبقة في ريف الرقة، ليستقر أخيراً لسنوات في مدينة القامشلي (شمال شرق).
قبل أيام، عاد نبيل برفقة زوجته وأطفاله الخمسة إلى عفرين، من دون أن يملك منزلاً أو مكان إقامة، ما دفع السلطات المحلية إلى منحه شقة ضمن مخيم" يد العون" في قرية كفر روم التابعة لناحية شران.
يقول نبيل لـ" العربي الجديد": " سعيد جداً بالعودة إلى منطقة آبائي وأجدادي، لكن الحياة كانت قاسية جداً خلال أعوام النزوح.
في كل محطة كنت أخسر ما جمعته بسبب تكاليف التنقل والترحال".
ويضيف: " لا أملك منزلاً أو أرضاً أعيش منها، لكنني متفائل بإمكانية الحصول على دعم من إحدى المنظمات، وسأبحث عن أيّ عمل أستطيع العيش من خلاله".
لا تتوقف معاناة نبيل عند الجانب المادي، إذ يقول إنّ ابنه (15 عاماً) وابنته (17 عاماً) بقيا خارج التعليم طوال سنوات النزوح، ويتابع: " هذا أكثر ما يؤلمني، لقد حرمتنا حياة التهجير كثيراً من حقوقنا".
وعن لحظة وصوله إلى عفرين، يغصّ نبيل ويقول: " أكثر ما أحزنني هو ما حلّ بالشعب السوري عموماً، وكيف خسرنا كلّ ما خسرناه.
نحن وكثير من العرب كنا نعيش معاً ونتقاسم أفراحنا وأحزاننا، ويجب أن نعود كما كنا".
أمّا الستيني مصطفى أصلان فقد عاد إلى مسقط رأسه بعد رحلة تهجير استمرت عشرة أعوام، أمضى ثمانية منها في منطقة الشهباء، قبل أن ينتقل خلال العامين الأخيرين إلى مدينة القامشلي.
ويعيش أصلان حالياً مع زوجته وابنَيه وابنته وشقيقته داخل مخيم" يد العون"، بعدما تعذّر عليه السكن في منزله الذي تقيم فيه عائلة شقيقه.
ويقول لـ" العربي الجديد": " أشعر بسعادة غامرة لأنني عدتُ إلى أرضي ومدينتي التي نشأتُ فيها"، موضحاً أنه يملك سيّارتَي أجرة، ويأمل في أن يتمكن ابناه من تشغيل السيارتين لتأمين مصدر رزق للعائلة.
ويضيف: " أكثر ما فاجأني هنا هو فرق الأسعار، كلّ شيء تقريباً أغلى من الأسعار في القامشلي".
بدوره، عاد منان حمو إلى منزله في ناحية شران بعد ثمانية أعوام من التهجير، برفقة ولدَيه، أحدهما يبلغ من العمر 13 عاماً والآخر يصغره بعامين.
ويقول لـ" العربي الجديد": " طوال سنوات التهجير كنت أحدّث ولديَّ عن عفرين، عن جمال طبيعتها واخضرارها وسهولها وجبالها وعذوبة مياهها، حتى تمكّنا اليوم من رؤيتها بأمّ العين".
ويتابع: " لا شيء يشبه جمال مدينتي، وآمل في أن يعمّ الخير على كلّ سورية، وأن تكون هذه محطتي الأخيرة".
ورغم مشاهد العودة المتزايدة، تبدو الفجوة الاجتماعية واضحة بين بعض السكان الذين بقُوا في عفرين خلال الأعوام الماضية، والعائدين الجُدد، إذ فضّلت غالبية العائلات العائدة عدم إجراء مقابلات صحافية، كما برزت محدودية التواصل الاجتماعي بين الطرفين، سواء عبر الزيارات أو حتى تبادل التهاني بالعودة.
ويبدو أن سنوات الحرب والانقسام والتهجير تركت أثراً عميقاً داخل المجتمع المحلي، ما يجعل إعادة ترميم العلاقات الاجتماعية تحدياً لا يقلّ صعوبة عن إعادة الإعمار الخدمي والمعيشي، في وقت تبدو فيه المنطقة في حاجة إلى وقت طويل، وبرامج إدماج مجتمعي وثقافي وسياسي، كي تستعيد حياتها الطبيعية، وهو ما يشكل اختباراً فعلياً لمؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني العاملة في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك