تلجأ الكاتبة المصرية سوزان كمال، في مجموعتها القصصية «بيت ميريلا»، إلى الواقع الإنساني، والعلاقة بين الرجل والمرأة، بعيدا عن الخيال وعن الفانتازيا.
تعمل على ما تجيده، وتكتب عن بشر من لحم ودم، نراهم في حياتنا، في كل مكان، ونتعاطف مع حكاياتهم ونحن نطالع أحوالهم.
فمعظم القصص تدور حول حدث واحد من حيث الوحدة والتركيز، فلا مجال للحشو أو التوسع في الأزمنة والحبكات الفرعية؛ كل جملة تؤدي وظيفتها، من خلال نصوص تعتمد على عدد محدود من الشخصيات، تعيش في الغالب تحولات حاسمة، وعلى الكاتبة التقاط هذه اللحظات والكشف عنها، وعن نهاياتها التي قد تكون مفاجئة، أو نهايات مفتوحة أحيانا.
في قصة «الشوارع البعيدة» ثمة امرأة تنطلق من عندها القصة، فهي تمسك بناصية السرد بضمير المتكلم، تصف حالتها، وتوسع الرؤية فقرة بعد أخرى، حتى نتعرف إلى حكايتها رويدا رويدا.
ثم نتجاوز عن المقدمة النفسية، التي تضعنا إلى جانبها، منصتين إليها، ونقترب من البداية الحقيقية للأحداث:«ارتديت ملابسي دون اهتمام بهندامي، وذهبت إلى عملي خفيفة، كأنما أُفرغت من كل ما بداخلي.
مرت ساعات العمل لطيفة، هادئة.
ثم فجأة، وجدتني أتصل به، وقبل أن أفيق جاء صوته حنونا:لنعرف أنها تخاطب زوجها السابق.
كلاهما يعيش وحيدا بعد الانفصال، لكن ثمة حنين إلى أيام سعيدة مرت عليهما ما زال باقيا، لم يغادرهما.
يتصاعد الحوار في الهاتف، كاشفا عن علاقتهما الإنسانية في المقام الأول، حتى يتواعدا على اللقاء، الذي سيتم فيه طرح فكرة العودة مجددا، ولكن النهايات دائما لا تكون سعيدة، مثلما يحدث في الأفلام القديمة، والقصص الكلاسيكية.
في قصة «السماء لا تمطر نيرانا»، تستعير الراوية صوت امرأة فلسطينية، من غزة تحديدا، حتى لو لم تذكر ذلك في النص، الذي يتنقل بين الواقعي والحلمي، ليمنحنا قدرة على تجاوز الحدث السياسي المباشر، عبر خطاب إنساني يحتفي بكرامة الشهداء، ويقاوم اختزالهم في صور وأرقام نطالعها على الشاشات بتبلد، في عالم اختل فيه النظام الطبيعي ذاته، حيث صار سقوط النار والفذائف الثقيلة حدثا يوميا، بما يتناقض مع رمزية السماء في الموروث الشرقي.
فالكاتبة تفتتح السرد بمشهد تلفزيوني تتراكم فيه الصور والأصوات: حطام البيوت، صراخ الأطفال، وكأن الشاشة تحولت إلى وسيط قاسٍ ينقل المآسي والفواجع من الخارج إلى الداخل، ليكون الصمت والبكاء وغياب الكلام، الذي يخيم علينا، بمثابة شهادة على عجزنا وانهيار قدرتنا على الفعل.
أما جملة: «وعهد الله ما نرحل» التي تتصاعد وسط الحطام وفي أثناء تكفين الشهداء، فهي تشير إلى الاستمرار والديمومة، والتشبث بالوجود والهوية، وعدم اللجوء إلى اليأس.
أما في قصة «ريم» فنحن أيضا في فلسطين، الأرض المقدسة، المولعة بها الكاتبة، لذلك تدير في ربوعها، بالتبادل مع القاهرة، قصة حب حزينة بين فتى فلسطيني وفتاة قاهرية، لكن هنا السارد هو بطل القصة:«كانت جميلة، حنونة، وكنت حزينا، جائعا، مشردا، وقلقا».
إنه لا يتقدم في النص كذات فردية، لكنه يؤثر أن يقدم نفسه كشاب فلسطيني مكسور، ليوسع المجال كي نرى في ريم الحبيبة والوطن والملجأ الدافئ، يواجه الخراب بالحب، محاولا النجاة من خلاله.
فهذا الذي جاء إلى القاهرة لدراسة الطب وجد في زميلته المصرية ريم التعويض النفسي والاحتواء، وكأن قصة الحب بينهما صارت مشروع نجاة، وانتقالا من التيه إلى البيت.
لقد رأينا ريم وهي تتحول إلى حالة فلسطينية خالصة، بعد انتقالها إلى الأرض المحتلة زوجة له بعد انتهاء دراستهما، لنرى أجمل المقاطع السردية في النص، عندما تقود ريم الراوي عبر القدس وحيفا ويافا ونابلس، نشعر بأن الأماكن صارت فضاء مقاومة، ضد احتلال الأرض، وضد احتلال الذاكرة أيضا، وكأن التخييل محاولة لاسترداد الوطن بعدما مزقته السياسة والأسوار الشائكة على الحدود.
في النصف الثاني من القصة نلحظ سرعة في السرد؛ فهناك، قبل الحرب، نجد انسيابية وهدوءا، أما بعد الحرب فتتغير اللغة، عاكسة التحولات الكبرى، وتصاعد الصراخ، واقتحام الفوضى لهذا العالم الرومانسي الحميمي.
ثم يأتي موت ريم على نحو حزين، لنرى كيف تتحول تلك المرأة إلى ذاكرة نجاة، وكيف يمكن للحب أن يصبح وطنا.
إنها قصة الفلسطيني الذي يحاول الهروب من الحرب عبر الحب، والمرأة التي تهزم الموت بعدم الاستسلام، والذاكرة التي تبقى متقدمة حتى بعد الفقد، والعاطفة التي تتقدم أحيانا على الحبكة في النص وهي تعيد خلق الحدث شعوريا.
ما يلفت النظر في هذه المجموعة القصصية، هو السؤال عن قدرة الإنسان على التواصل وسط عالم يموج بالقسوة، ويزداد عزلة يوما بعد يوم، من خلال تجارب تمنحنا النظر بصدق إلى هشاشة البشر، وإلى ما يختبئ في حياتهم من حرمان عاطفي، ورغبة دائمة في العثور على الآخر، دون القدرة على امتلاكه أو فهمه.
ولعل ما يمنح هذه النصوص ديناميكيتها هو قدرتها على الالتقاط الخاطف للحظات الإنسانية في أقصى درجات انكشافها، من خلال إشارة عابرة، أو حوار مقتضب، أو لحظات تأمل ونظرات مترددة، لنكشف ما تراكم داخل الشخصيات، عبر هذا الأفق الإنساني الملتبس، الذي تبدو فيه العلاقات أقل استقرارا مما توحي به المظاهر الخادعة.
أما في قصة «ياسمين» فنحن نطالع لحظات شديدة الرهافة، حكاية عذبة، نقرأها ونشعر أنها تخصنا وتخص عالمنا، وتخرج بنا من أتون القسوة والواقع الكالح إلى عالم الخيال، والحلم الرائق، ولحظات الصفاء، رغم قصر القصة واعتمادها على التكثيف، فهي تمزج الواقعية بالفاتتازيا، والحنين بالفقد، حتى يصبح الحد الفاصل بين العالمين رقيقا وشفافا.
فمن خلال حدث بسيط ظاهريا، تنجح الكاتبة في بناء تجربة شعورية عميقة عن الحاجة إلى الطمأنينة، وعن حضور الأم وعدم غيابها حتى بعد الوفاة.
فقد لجأت إلى لعبة ذكية كي تستحضرها من عالمها، عبر تمهيد سردي ومناخ مشبع بالبرد والوحدة والاغتراب:«وحدي أقف في شرفة بيتي الخلفية، في الخامسة فجرا، أذوب في خضرة الحقول الممتدة، طيور بيضاء تملأ السماء، يهب هواء بارد، أشعر بالندى وهو يبلل وجهي.
أتطلع إلى الطيور، أحس أنني حبيسة».
ثم ترسم لحضور الأم مشهدا مؤثرا، مفعما بالسكينة والحنان، عبر الإيحاء لا الوصف، حتى بدا ما نراه امتدادا روحيا للسيدة الغائبة، أكده ظهور الحفيدة في نهاية القصة، حين تخبر أمها بأنها حلمت بالجدة تعطيها عشرة جنيهات، وهو ما يطابق ما أعطته تلك السيدة الغامضة للأم.
لتبلغ القصة ذروتها بهذه الخاتمة التي لا تقدم تفسيرا عقليا، لكنها تعطينا إحساسا دافئا بأن الأرواح القريبة منا تظل قادرة على الحضور إلينا للمواساة.
ما زالت فلسطين حاضرة هنا، مجددا، تتنقل بالاسم والهوية والعناصر الرمزية بين قصص المجموعة، هم عام لا ينبغي التنكر له، أو التغافل عنه.
فهي ما زالت في الضمير العربي القضية المركزية، رغم التطبيع المزري، والتعاون الذي راح ينتقل من السر إلى العلن.
إنها حاضرة هنا في قصة بسيطة، تعتمد على عنصر رمزي، خاص بها، للتذكير بأننا لن ننساكم.
فمن خلال «رائحة الزعتر» كرمز وعنوان للقصة، تدعم الهوية، بما يجعل التعامل مع المفردة الرمزية نوعا من المقاومة.
فرائحة الزعتر ليست مجرد رائحة؛ إنها قوة خفية تعيد بها الكاتبة ترتيب العالم، استعارة للحرية، وإعادة الحياة إلى ما ظن الآخر أنه استطاع تدميره.
فالزعتر في القصة لا يقدم بوصفه نباتا أو مشروبا شعبيا، إنه تذكير بقضية وارتباط بها، من خلال دمج الزعتر الفلسطيني بالزعتر المصري:«في الصباح هاتفتني ثناء القادمة من رام الله في إجازة قصيرة إلى القاهرة، أخبرتني أنها تحمل لي كيسا من الزعتر هدية من صديقي الشاعر الفلسطيني الثمانيني.
ابتسمت لأنني كنت قد تلقيت بالأمس كيس زعتر سيناوي من صديقتي التي قضت إجازتها بين جبال دهب وسحرها».
لا نتعامل مع النبات كمادة غذائية، لكننا نتحول إلى قراءة أخرى تتعامل معه كعلامة على الذاكرة والهوية والمكان: رام الله الجرح النازف، وسيناء منقوصة الحرية.
إنه السرد الذي يحيلنا إلى بناء المجال العربي المنقسم، عبر الرموز لا عبر السياسة، التي طوتها القاصة تحت النص، وراحت تنسج بالكلمات حكاية فانتازية حاولت فيها إعادة تشكيل الواقع من خلال إدراكها للعناصر التي تشكل الهوية.
في قصة «معهم» تواصل سوزان كمال التقدم خطوة أخرى مع القضية الفلسطينية، وكأن اللحظات لا تمر من دون ذكر الأرض المقدسة، خاصة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
لا شيء هناك سوى ما يجري من إبادة وقتل وذبح الأطفال والعجائز والكبار، وتسوية المباني بالأرض، وحرق المخيمات بمن فيها.
إنها من أقسى السنوات التي مرت على المنطقة، بل ربما من أسوأ اللحظات التي مرت على تاريخ الإنسانية وأكثرها إجراما:«نسي زوجي أن يغلق الراديو، أمضي لإغلاقه، فأسمع أحدهم يشجب ويدين ويطالب الأمم المتحدة بـ…أغلق الراديو وأنا أردد: لا شيء.
ينعصر قلبي عندما يتقافز إلى رأسي مشهد السفلة وهم يرفعون السلاح معلنين النصر».
مقطع مشحون بالحزن والألم، يعطينا صورة موجزة للعجز والقهر أمام تدفق الأخبار المأساوية بشكل مستمر، وكأن الحرب والدمار أصبحا جزءا يوميا من الحياة لا نستطيع الهروب منه.
العجز الذي تترجمه الإدانات الشكلية، التي لا تستطيع إيقاف تلك المجازر، وأيضا فقدان الثقة في المواقف الدولية التي تكتفي بالكلام دون الفعل.
لكن، وعلى سبيل المقاومة، تخترع الكاتبة حلا سرديا في نهاية القصة للتغلب على النسيان، نسيان ما يحدث في فلسطين:«أفتح شيش البلكونة، أبحث عن نسمة هواء.
أنظر فأرى سيلا من الشباب والبنات والأطفال والشيوخ يتدافعون كموج هادر، يرتفع صوتهم، يهتفون لفلسطين، ويتوعدون الكيان اللقيط.
أجري نحو مطبخي، أغلق الموقد، أركض على السلم وصوتي يسبقني إليهم، وكلي، كلي معهم».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك