بقلم : د.
شيماءمحسن(خبير اداره الموارد البشرية والتنمية المستدامة) في اليوم العالمي للأسرة، نقف أمام أعظم مؤسسة عرفها التاريخ الإنساني، المؤسسة التي لا تُقاس قيمتها بالأموال ولا بالمناصب، بل تُقاس بقدرتها على صناعة الإنسان.
فالأسرة ليست مجرد بيت يجمع أفرادًا، لكنها المدرسة الأولى، والحصن النفسي، ومصنع القيم، وأول مكان يتعلم فيه الإنسان معنى الحب والانتماء والمسؤولية.
أري أن قوة أي مجتمع تبدأ من قوة الأسرة، وأن نجاح المؤسسات في بناء الكفاءات لا ينفصل أبدًا عن نجاح الأسرة في بناء الشخصية الإنسانية السوية.
فالموظف الناجح، والقائد الواعي، والطبيب المخلص، والمعلم المؤثر، جميعهم خرجوا من بيوت استطاعت أن تزرع فيهم الثقة والانضباط واحترام الذات والعمل.
إن الأسرة المصرية كانت وما زالت العمود الفقري للدولة، تحملت الضغوط الاقتصادية، والتغيرات الاجتماعية، والتحديات الفكرية، لكنها بقيت صامدة، محافظة على هويتها وقيمها الأصيلة.
والأم المصرية تحديدًا ليست مجرد ربة منزل، بل هي “مديرة أزمات” بالفطرة، وقائدة تربوية، وصاحبة دور وطني عظيم في حماية أبنائها من الانحراف الفكري والسلوكي.
وفي عصر أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي شريكًا في التربية، أصبح دور الأسرة أكثر صعوبة وأكثر أهمية في الوقت نفسه.
فلم يعد المطلوب فقط توفير الطعام والاحتياجات الأساسية، بل أصبح المطلوب بناء وعي حقيقي، وتعليم الأبناء كيفية التفكير، لا مجرد الحفظ والتلقين.
الأسرة الواعية اليوم هي التي تُربي أبناءها على الحوار، وتحترم مشاعرهم، وتحتوي مخاوفهم، وتزرع بداخلهم الانتماء للوطن والثقة بالنفس.
ومن منظور إدارة الموارد البشرية، فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة هو الاستثمار في الأسرة، لأن الأسرة الناجحة تُنتج شبابًا قادرين على العمل والإبداع وتحمل المسؤولية.
فالقيم التي يتعلمها الطفل داخل بيته تتحول مستقبلًا إلى سلوك وظيفي داخل المؤسسات.
الطفل الذي يتعلم احترام الوقت يصبح موظفًا منضبطًا، والذي يتعلم التعاون يصبح قائد فريق ناجحًا، والذي يتربى على الاحترام يصبح عنصرًا إيجابيًا داخل المجتمع.
كما أن الاستقرار الأسري أصبح أحد أهم عوامل الصحة النفسية والإنتاجية في العمل.
فالفرد الذي يعيش داخل أسرة داعمة ومتفاهمة يكون أكثر قدرة على الإنجاز، وأكثر توازنًا نفسيًا، وأكثر استعدادًا للعطاء.
لذلك فإن الحفاظ على الأسرة لم يعد مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية مجتمعية ووطنية تشارك فيها المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والشبابية.
وفي اليوم العالمي للأسرة، علينا أن نُعيد الاعتبار للحوار داخل البيوت، وأن نقترب من أبنائنا أكثر، وأن نستمع إليهم قبل أن نصدر الأحكام عليهم.
علينا أن نُربي أبناءنا على أن النجاح ليس فقط في الدرجات أو الأموال، بل في الأخلاق والوعي والقدرة على مواجهة الحياة بشرف وإنسانية.
تحية تقدير لكل أم تصنع الأمان داخل بيتها رغم التعب، ولكل أب يتحمل المسؤولية ويمنح أبناءه الشعور بالحماية، ولكل أسرة مصرية ما زالت تُقاوم من أجل أن تُخرج أبناء صالحين لوطنهم ولمجتمعهم.
فالأسرة المصرية بخير… ما دام فيها حب، وحوار، وقيم، وانتماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك