لم تعد الكلمات تنتظر طويلاً قبل أن تجد مكانها داخل القواميس.
فالإيقاع السريع الذي تفرضه المنصات الرقمية ووسائل التواصل أعاد تشكيل العلاقة بين اللغة والاستعمال اليومي، ودفع المعاجم إلى ملاحقة مفردات تولد داخل البيئة الرقمية قبل أن تستقر في التداول العام.
ويظهر هذا المسار بوضوح في الإصدارات الجديدة من القواميس الفرنسية مثل" لو روبير" و" لاروس"، التي أدرجت في نسخها لعام 2027 كلمات مرتبطة بالثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي وأنماط العيش المعاصرة، من قبيل Crush (إعجاب عاطفي مفاجئ)، وPrompter (إرسال تعليمات إلى الذكاء الاصطناعي)، وBoomer (شخص ينظر إليه باعتباره متجاوزاً للعصر)، وTiktokeur (صانع محتوى على منصة تيك توك).
وتوضح مديرة تحرير قواميس" لو روبير"، جيرالدين موانار، في مواد منشورة على الموقع الرسمي للقاموس، أنّ إدراج الكلمات الجديدة يعتمد على تتبع استعمالها في الإعلام والمنصات الرقمية والكتابة اليومية، مع مراقبة مدى استقرار معناها داخل التداول العام، ويكشف هذا المسار عن طبيعة العمل المعجمي المعاصر الذي يقوم على متابعة حركة اللغة داخل المجتمع ورصد تحولات استعمالها في السياقات المختلفة.
داخل هذا السياق، تتشكل مكانة القاموس ليصير فضاءً لمراقبة الاستعمال اللغوي وتوثيقه.
فالكلمات التي تنتجها المنصات الرقمية تصل إلى التداول الواسع بوتيرةٍ سريعة، خصوصاً في البيئات المرتبطة بالفيديو القصير وصناعة المحتوى والتفاعل المباشر.
وتكشف مفردات مثل Tiktokeur (صانع محتوى على تيك توك)، وInstavidéaste (صانع فيديوهات مباشرة عبر الإنترنت)، عن أثر هذه البيئات الرقمية في إنتاج اللغة اليومية، فيما ترتبط كلمات مثل Prompter (إرسال تعليمات إلى الذكاء الاصطناعي) بالاستخدامات المتزايدة للذكاء الاصطناعي التوليدي.
كلمات جديدة ذات دلالات اجتماعيةٍ تتجاوز مجالها المباشروتكشف المواد التعريفية المنشورة على الموقع الرسمي لمعجم" لو روبير" عن اعتماد فرق التحرير على أدواتٍ رقمية لرصد الكلمات الجديدة داخل مدونات نصّية واسعة تضم الصحافة والأدب وشبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تتبع الكلمات الأكثر بحثاً داخل القواميس الإلكترونية ومحركات البحث.
وتخزَّن المفردات المرشحة داخل قواعد بيانات تجري مراجعتها بصورة دورية في لجان تحرير متخصّصة تدرس شيوع الكلمة وانتشارها واستقرارها الزمني قبل إدراجها.
ويعكس هذا المسار انتقال العمل المعجمي نحو مراقبة اللغة داخل فضائها التداولي اليومي، إذ أصبحت المنصات الرقمية واحدة من أهم البيئات المنتجة للمفردات الجديدة.
وفي الإطار النظري لعلم المعاجم، يوضح الباحثان في علم المعاجم هنينغ بيرغنهولتز وروفوس غاوس في دراستهما حول الوظائف المعجمية أن العلاقة بين الوصف والتقنين داخل القواميس لا تختزل في ثنائية بسيطة، لأنّ المعجم الحديث يجري بناؤه وفق وظائف استعمالية مرتبطة بحاجات المستخدم، سواء في فهم النصوص أو إنتاجها.
ويعني ذلك أنّ القاموس لا يشتغل بوصفه سلطةً لغوية فحسب، وإنما باعتباره أداةً وظيفية تتغير وفق السياقات التي يُستعمل فيها.
كما تحمل الكلمات الجديدة دلالات اجتماعيةٍ تتجاوز المجال اللغوي المباشر.
فمصطلحات مثل Incel (رجال يحمّلون النساء مسؤولية عزوبيتهم)، وManosphère (مجتمعات ذكورية رقمية) ترتبط بنقاشات متنامية حول الهويات الجندرية والثقافات الشبكية، فيما تعكس مفردات أُخرى حضور قضايا العنف الجنسي والصحة النفسية داخل المجال العام.
وتتحول المفردة، في هذا الإطار، إلى مؤشر على تغيرات تمسّ البنية الاجتماعية وأساليب التفاعل داخل الثقافة المتصلة.
ويكشف تحقيقٌ نشرته صحيفة لوموند سنة 2024 حول ورشة إعداد" لو بوتي روبير" أن فرق التحرير تتابع باستمرار الصحافة والمنصات الرقمية والإنتاج الكتابي لرصد الكلمات الجديدة وتحليل مدى انتشارها واستقرار معانيها قبل اعتمادها داخل القاموس، كما يشير التحقيق إلى أثر التحوّل الرقمي في صناعة المعاجم نفسها، في ظل تراجع مبيعات القواميس الورقية وصعود القواميس الإلكترونية وأدوات البحث اللغوي الرقمية.
ويحضر الذكاء الاصطناعي داخل هذا المشهد باعتباره عنصراً فاعلاً في إنتاج اللغة وتفسيرها.
فقد أطلق" لو روبير" مساعداً لغوياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي تحت اسم" Dis-moi Robert" (قل لي يا روبير)، للإجابة عن أسئلة المستخدمين المتعلقة باللغة الفرنسية، في خطوةٍ تظهر توسع حضور الأدوات التفاعلية داخل المجال المعجمي، كما دخلت كلمات مثل Prompt (أمر أو تعليمة نصية موجهة للذكاء الاصطناعي)، وIA (الذكاء الاصطناعي) إلى القواميس الحديثة نتيجة ارتباطها المباشر بالاستخدامات اليومية للتطبيقات التوليدية.
وتكشف هذه التحولات عن علاقة متغيّرة بين اللغة والزمن، إذ تنتقل الكلمات بسرعة بين المنصات والمستخدمين والثقافات وتخضع لتحولات دلالية متواصلة داخل فضاء سريع الإيقاع.
وفي هذا السياق، تبدو المعاجم مطالبة بمتابعة لغة تتحرك باستمرار فيما تتحوّل المفردات إلى آثار زمنيةٍ قصيرة العمر تحمل صورة المجتمع في لحظةٍ محددة، قبل أن تفسح المجال لكلمات أخرى تولد داخل الدورة الرقمية التالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك